الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٢٠٥ - الشرح
المرء بسياج من العصمة، و يقيه نزعات الشيطان. و يباعد بينه و بين المعاصي إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ[١].
و قد بين الرسول صلى اللّه عليه و سلم في هذا الحديث صيغة من صيغ الذكر لا مشقة في حفظها و لا صعوبة في استيعابها، و هي مع ذلك عظيمة الأثر كبيرة الجدوى[٢]، تغدق على المؤمن من فيض اللّه الخير الكثير، و الأجر الوفير، تثقل من الطيبات حسناته، و تمحو من أوزاره و سيئاته، و لئن كانت سائر التكاليف شاقة على النفس. فإن الذكر بها هين سهل لا يستعدي قوة و لا استعدادا و إنما يوجب إخلاصا و تفريغا للنفس من شواغل الدنيا و هواجس[٣] القلب.
و ليس بكثير على اللّه الذي وسعت رحمته كل شيء أن يجزل الثواب العظيم على العمل القليل. لما في هذه الصيغة من تنزيه اللّه عن الشريك و النظير، و تحميده على سوابغ النعم و جزيل الفضل. و تعظيمه بما هو أهله.
و أنت خبير أن هذه الفضائل إنما هي لمن أخلصوا في دعائهم. و كملوا في إيمانهم، و تجنبوا المعاصي و الحرام، و نأوا عما يغضب اللّه من الآثام. و لا تظن أن من أدمن[٤] الذكر. و أصرّ على ما شاء من شهواته و انتهك حمى اللّه يلتحق بالمقدسين الطاهرين و يبلغ منازلهم بكلمات يجريها على لسانه. لا يتجاوز أثرها فمه.
يرشدك هذا الحديث إلى أن للأعمال و الأقوال ثقلا و خفة يثقل منها ما كان خالصا للّه و يخفّ ما شابه الرياء و الغافلة. و لم يكن في حضور القلب و انتباهه. و إن الأعمال صور ماثلة و أرواحها وجود الإخلاص فيها و لقد قال اللّه تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ[٥]، و قال صلى اللّه عليه و سلم: «من قال سبحان اللّه و بحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه و إن كانت مثل زبد البحر»[٦].
[١] - سورة العنكبوت، الآية: ٤٥.
[٢] - الجدوى: العطية.
[٣] - هواجس: ج الهاجس: الخاطر.
[٤] - أدمن: دوام عليه.
[٥] - سورة البقرة، الآية: ١٥٢.
[٦] - رواه البخاري في كتاب: الدعوات، باب: فضل التسبيح( ٦٤٠٥).
و رواه مسلم في كتاب: الدعوات، الذكر و الدعاء، باب: فضل التهليل و التسبيح و الدعاء--( ٦٧٨٣) مطولا.
و رواه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب:- ٦٠-( ٣٤٦٦).