الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٦٧ - ١ - المحاماة عن الباطل إثم كبير
في الشجار، و يفصل في النزاع، فقال لهم: «إنما أنا بشر مثلكم»، إمتثالا لأمر ربه قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا[١] فلا علم لي بالغيب و لا ببواطن الأمور كما يزعم الجاهلون إلا ما يوحي إليّ ربي من آي القرآن و أمور التشريع، و أما الوقوف على دخائل النفوس و خفايا الأمور فأنا و سائر الناس فيه سواء لنا ما ظهر و إلى اللّه ما بطن، فإذا حضر مجلسي الخصوم لأفصل بينهم في نزاع قائم فربما كان بعضهم أشد بيانا من بعض، و أقوى تأثيرا، و أقوم قيلا، و أقدر على صوغ الحجج. و توضيح المشتبه. و جلاء الغامض. لذرابة[٢] لسان و قوة بيان. و طول مران. وحدة ذهن.
و سرعة بديهة و الآخر دونه في ذلك، فلا يحسن البيان و الخصام. و الحوار و الدفاع.
و قد يكون الحق في جانبه و الصدق في قوله و لكن عيه و ضعفه ستر معالم حقه. و بيان الأول و بلاغته جلى دعواه، و ألبسها ثوب الحقيقة. و قد تكون دعوى باطلة، و قضية مزوّرة، فيغلب على ظني، و يقع في نفسي صدق من علا بيانه و قوي حجاجه[٣]، و هو في الباطن كاذب، فأقضي له بما ادعى، فمن قضيت له بحق أخيه في الإنسانية مسلما أو ذميا، معاهدا أو حربيا- فذكر المسلم من باب التهييج لالتزام الحق فإنما أقضي له بقطعة من نار إذ كان في الواقع حق غيره لا حقه، فهو معذب به لا محالة، فإن رآه الآن مالا و نفعا فسيراه في الآخرة نارا و لهبا، فإن شاء فليأخذ ما حكمت به، و إن شاء فليترك، فإن أخذ فالنار موعده، و إن ترك فلعل اللّه مسامحه فالأمر هنا للتهديد مثله في قوله تعالى: وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ»[٤].
و الحديث كما ترى أصل كبير في المحاماة و القضاء، و تبين لك المهم من أحكامه:
١- المحاماة عن الباطل إثم كبير.
و في ذلك يقول القرآن: وَ لا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً. ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا[٥]
[١] - سورة الإسراء، الآية: ٩٣.
[٢] - لذرابة لسان، لسان ذرب: حاد، يقال: ذرب لسانه: إذا كان شتاما فاحشا لا يبالي ما قال.
[٣] - حجاجة: المراد به البرهان الواضح.
[٤] - سورة الكهف، الآية: ٢٩.
[٥] - سورة النساء، الآيات: ١٠٧- ١٠٩.