الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٥٨ - الشرح
أما نصر الظالم فربما خلته مساعدته على ظلمه، أو مجاراته في عدوانه كما كان العرب يصنعون في عهد الجاهلية.
|
إذا أنا لم أنصر أخي و هو ظالم |
على القوم لم أنصر أخي حين يظلم |
|
و كما يصنع أولو العصبية و الجهالة، المتهالكون في الحزبية؛ ينصرون شيعتهم بالحق و بالباطل، و ليس نصر الظالم ذلك؛ بل تمنعه من الظلم؛ فإن أراد استلاب مال أخذت بيديه و إن أراد اغتصاب حق حلت بينه و بينه؛ و إن أراد البطش ببريء ضربت على يده إن كانت يدك أقوى منها. و تراعي الحكمة في المنع لئلا ينقلب ظالما لك؛ و قد يكون شديد النكاية. و أنت ضعيف الرماية فإن كانت النصيحة رادعة سلك سبيلها؛ فإن لم تكن مجدية فاستعن عليه بمن هو أعلى منه.
ممن يخشى بأسه، أو يرهب سلطانه، أو يرجو مصلحة عنده، فلا يكن في ذلك رادع فاستعمل معه القوة ما قدرت عليه حتى يعود إلى حظيرة الحق، و يستقيم على النهج و إنما سمى الرسول صلى اللّه عليه و سلم ذلك نصرا و إعانة مع معاكسة و عداوة لأن ظلمه إضرار بنفسه في حياته الحاضرة، يعرضها للعقوبات القضائية و يشين سمعتها بين البرية، و يدنسها بالعيش من الحرام و استمراء الحقوق و يعرضها لعقوبة اللّه في الحياة الآخرة، بل في الحياة الدنيا وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[١]، فمن أراد قتل نفس عدوانا و ظلما إذا أرخيت له العنان حتى ارتكب هذا الجرم الكبير عرض نفسه للقصاص، و استلاب الحياة، فأعقب ذكرى سيئة و تاريخا أسود؛ و رمّل زوجه، و يتّم ولده، و أساء إلى أسرته، و كان مثلا سيئا في الباقين، فإذا منعته من جرمه، و ضربت بسيفك على يده حفظت له الحياة، و أبقيت على ذكراه، و أنجيت أهله و ولده و حفظت الشرف على أسرته؛ فكان ذلك نصرا مؤزرا، بل كنت له الصديق في ثوب العدو و الحريص على خيره في لباس الراغب في شره.
فيا أيها المسلم لا تجعل للظلم بين المسلمين وجودا، و لا ترى فيهم ظالما أو مظلوما بل اعمل على تمتع كل امرىء بحقوقه، و طمأنته على شؤونه، و آثر[٢] الحق
[١] - سورة السجدة، الآية: ٢١.
[٢] - آثر: فضّل.