الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٥٣ - الشرح
صلاة العشاء التي هي من أثقل الصلوات على ضعفاء النفوس لظلام الطريق. و اقتراب موعد النوم. و الميل فيه إلى الراحة من عناء الأعمال طوال النهار. و قد مثل الشيء الحقير بظلف الشاة- نعلها الطبيعي- أو بعظم به بقايا لحم أو بلحيمة. و بسهمين دقيقين حسنين، يتعلم بهما الصبيان الرماية. و قيمتها ضئيلة. يعني بذلك الرسول أن هذا المتخلف لو وجد في الحضور إلى المساجد منفعة دنيوية يسيرة لهرول[١] إليها، فهو ضعيف الإيمان. غافل عن مزايا الجماعة. مؤثر لعرض هذه الحياة على ما عند اللّه.
و الحديث كما ترى فيه وعيد شديد لتاركي صلاة الجماعة؛ و أنه همّ بقتلهم، و تحريق بيوتهم و لعله منعه من التنفيذ أن غرضه مجرد التهديد، أو نساء و صبيان يسكنون بيوتهم لا ذنب لهم و لا جريرة.
و من أجل هذا الوعيد ذهب عطاء و الأوزاعي، و أحمد و جماعة من محدثي الشافعية، كأبي ثور، و ابن خزيمة، و ابن المنذر، و ابن حبان إلى أن صلاة الجماعة فرض عين.
بل بالغ داود بن علي و أتباعه من الظاهرية، فاشترطوا الجماعة لصحة الصلاة بناء على أن ما وجب في العبادة كان شرطا فيها، و ظاهر نص الشافعي أنها فرض كفاية إذا قام بها جماعة سقطت عن الباقين، و عليه جمهور المتقدمين من أصحابه و كثير من الحنفية و المالكية، و المشهور عند الباقين أنها سنة مؤكدة.
و أجابوا عن حديثنا بجملة أجوبة لا تسلم من قدح[٢]، و أمثلها أن المراد بالصلاة الجمعة. و استدلوا لذلك بالتصريح بها في رواية لمسلم، و لكن جاء التصريح بالعشاء في روايات كثيرة صحيحة، و من الأجوبة الأحاديث المفصلة لصلاة الجماعة على صلاة الفرد كحديث «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع و عشرين درجة»، و في رواية: «بخمس و عشرين»- رواه البخاري[٣] عن أبي هريرة. فقالوا: إن الأفضلية
[١] - هرول: أسرع.
[٢] - القدح: الطعن.
[٣] - رواه البخاري في كتاب: الأذان، باب: فضل صلاة الجماعة( ٦٤٥) عن ابن عمر رضي اللّه عنه.
منها ما روى مسلم في كتاب: المساجد، باب: ما روي في التخلف عن الجماعة( ١٤٨٠).-( و جاء في رواية أن هذه الصلاة التي هم بتحريقهم للتخلف عنها هي العشاء، و في رواية أنها الجمعة، و في رواية يتخلفون عن الصلاة مطلقا و كله صحيح و لا منافاة بين ذلك).