الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٢٩٩ - الشرح
و كلت إليها: روي بتشديد الكاف مكسورة و بتخفيفها مع ضم الواو فيها و المعنى:
أسلمك اللّه إلى مشاقها و أعبائها. أعنت عليها: هداك اللّه إلى الصواب و أعانك على متاعبها.
الشرح:
من الناس قوم أغرموا بالمناصب و الرياسات، يسلكون إليها كل سبيل، و يلجون[١] كل فج، فلا يهنأ بالهم و لا يقر قرارهم، إلا إذا ظفروا بما يؤملون و ما يدرون، أن الولاية ثقيلة المحمل، كثيرة التبعات[٢]، تتطلب جهدا و عناء و تقتضي يقظة و انتباها و تستدعي الوالي أن يسوي بين الأفراد في توزيع العدالة و البر و القسط، و تيسير المطالب و الأخذ بالرفق، لا فرق بين كبير و صغير، و لا بين من ينتمي إلى فريق من الناس، و من ينتمي إلى فريق آخر، و كل ذلك يحتاج إلى مزيد حزم و فطنة.
حتى إذا نال طلبته نسي تكاليف الولاية و اتخذ منها وسيلة لإشباع أطماعه و نيل أمانيه و إغداق الخير على أشباعه و أنصاره، و صب جام غضبه و انتقامه على خصومه و أعدائه، ينكل[٣] بهم و يسومهم الخسف، و يشاركهم في أقواتهم و ربما حال بينهم و بين الانتفاع بأموالهم. و يفتري عليهم الجرائم و الآثام. و ما تلوثت أيديهم بجريمة، و لا يزال يحكم فيهم حيله و يحوك لهم الشباك، حتى يشفي غلته. فهؤلاء لا يلبثون أن تولي عنهم الدنيا و تزول عنهم المناصب، فينزلون إلى حضيض الذل و المهانة.
و ينصرف الناس عنهم. فلا يعودون يسمعون ألفاظ التملق و عبارات الرياء و النفاق و ينالهم من الإزدراء و التحقير ما هم أهل له لأنهم نسوا تلك العاقبة المحتومة فلم يعملوا لها أيام ولايتهم و لم يصغوا إلى قول القائل:
|
و اصنع من الفعل الجميل صنائعا |
فإذا عزلت فإنها لا تعزل |
|
فهذا الحديث يشير إلى وجوب التباعد عن طلب الرياسات، و لو كان الطالب قادرا على تحمل أعبائها، لأنها لا تخلو من عناء و مشقات.
و يفيد أن من أسندت إليه ولاية عمل بدون طلب منه، فإنه جدير بعناية اللّه به، و إعانته عليها؛ و لا شك أن كل وال محتاج إلى معونة اللّه و إرشاده، فمن سلب الإعانة
[١] - يلجون: يدخلون.
[٢] - التبعات: ج تباعة: عاقبته و ما يترتب عليه من أثر.
[٣] - ينكل: نكل بفلان: أصابه بنازلة.