الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٢٩٣ - الشرح
الجعبة[١] متضخما ثراء و مالا و فيرا.
فالوظيفة تدر عليه أخلاف النعم من هدايا يتقى بها شره أو يجتلب نفعه و بره، و رشاوى يشترى بها ظلمه و جوره، و يدفع بها عن المفسدين بأسه و حزمه.
فسرعان ما يدب الفساد في أمر ولايته و يتشبه به عملاؤه فيعيثون[٢] عيث الذناب[٣] في الغنم و يذوق الناس منهم كل سوء و أذى. و ينظرون إليهم نظر الطائر إلى الصائد فزعين وجلين، و على أنفسهم و أموالهم خائفين مذعورين، و يتمنون الخلاص من حكمهم و لو بذلوا في سبيل ذلك ما بذلوا فتكثر الثورات، و تعصي الأوامر و تستأسد النفوس الشريرة، و تسري في القلوب روح الفوضي و الاضطراب و التمرد[٤]، و ما شأن حكم يكون ذلك أساسه؟ لا شك أنه سريع الانهيار قريب الزوال.
فمحاسبة الخلفاء و الملوك لولاتهم و مؤاخذتهم على ما يرتكبون من المخالفات تجعلهم حريصين على إقامة العدل و القسطاس بين من هم تحت رعايتهم، و العمل على تأمينهم من كل مخوف و السهر على راحتهم و ما فيه رقيهم و سعادتهم، و عدم الاستكانة إلى الراحة و التواني[٥]؛ و كف أيديهم و ألسنتهم عن تناول ما ليس لهم بحق، فتسود الطمأنينة في القلوب و ينصرف الناس إلى إتقان أعمالهم. و إجادة مصنوعاتهم و ترقية شؤونهم في ظل السكينة و الأمن.
و لقد حذر النبي صلى اللّه عليه و سلم من سوء العاقبة من يأخذ ما ليس له بحق من الحكام و الولاة و بيّن له مصيره بأن يأتي يوم القيامة حاملا ما أخذه على كتفيه مفتضحا أمره، ذائعا بين الخلائق ظلمه و جرمه.
أما بعد: فمن يرى هذا المال الوبيل[٦] و المرتع الوخيم و يرضى لنفسه ذلك الخزي و الهوان، بسبب مال زائل، و عرض فان، و متاع من الدنيا قليل؟
[١] - الجعبة: وعاء السهام و النبال.
[٢] - فيعيثون: عاث: أفسد.
[٣] - الذّناب: خيط يشد به ذنب البعير إلى حقبه لئلا يخطر بذنبه فيلطح راكبه.
[٤] - التمرد: تمرّد على القوم: عصى عنيدا مصرا.
[٥] - التواني: توانى في العمل: لم يبادر إلى ضبطه و لم يهتم به.
[٦] - الوبيل: الشديد.