الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٢٨٤ - الشرح
إلى مزالق الأقدام و مطارح الهلكة فيجنبه إياها، و يهديه السبيل الأقوم و يأخذ بيده إلى حيث السلامة و النجاة، فيكون الناصح الأمين، و الصادق الوفي و إن أصابه في ذلك مكروه احتمله. و فريق يزين له كل ما صدر منه، و يموه أمام عينيه حقائق الأشياء فتبدو على صورة مستعارة، و يجعل كل ما يعمله أو يقوله كأنه إلهام أو وحي متلو لا يتطرق إليه الخطأ من ناحية من نواحيه.
كما يهون له ما يكون من خطل في رأيه، أو فساد إدارة حكمه، و يخفي الضرر الذي تبدو أعلامه في سبيله فلا يلبث حتى يرتطم في سوء عمله، و تشتبه عليه مصادره و موارده، و يرتبك[١] في سيئات ما صنع، فلا هو بمستطيع أن يتقدم فيزداد سوآ. و لا أن يتأخر إذا ضلت به السبل. ضم إلى ذلك تخلي الأوفياء المخلصين عنه، و انقضاضهم من حوله، فيعيا عليه الأمر و يعز[٢] الهدى و السداد.
و الشواهد على ذلك كثيرة في كل عصر و أمة، و ما أخذ المسلمون من جميع نواحيهم إلا بتقريبهم بطانة الشر و رجال السوء و توليتهم شئونهم غير الأمناء الصادقين، و تشريدهم أولي الرأي و الحزم، و إقصائهم[٣] الصالحين الأكفاء، و تصديقهم ما يوسوس به إليهم شياطين الإنس، من زخرف القول و الغرور، حتى ظنوا في السراب، شرابا، و في الجديب[٤] نضرة وريّا، فهلكوا و أهلكوا من تبعهم و تخطفتهم الأمم من كل جانب، و سامهم كل مفلس. و تكلم عنهم من لا يحسن لهم قولا، و لا يرعي لهم مصلحة و لا كرامة، و قديما كانت بطانة السوء و بالا على الأمراء و الخلفاء و الأمم، و نكالا[٥] على الصالحين أولي القدرة على كفاء الأمور و تصريف الشؤون.
أجل: إنه ينبغي للحاكم أن يتخذ له من يكشف أحوال الناس في السر.
و لكن يجب ألايعتمد إلا من كان مأمونا ثقة فطنا[٦] عاقلا، و أن يكون هو
[١] - يرتبك: ارتبك الأمر: اختلط عليه و وقع فيه و لم يكد يتخلص منه.
[٢] - يعزّ: يشتد و يشق.
[٣] - إقصائهم: إبعادهم.
[٤] - الجديب: جدب المكان جدبا: يبس لاحتباس الماء عنه.
[٥] - نكالا: الجزاء و العقاب.
[٦] - فطنا: فطن الأمر: تبيّنه و علمه.