الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٢٨٠ - الشرح
و استدل به على ذم كثرة السؤال و التعمق في المسائل إذا كان على وجه التعنت و التكلف، أما إذا كان على وجه التعلم و التعليم لما يحتاج إليه من أمر الدّين أو الدنيا فذلك جائز بل مأمور به لقوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ[١].
أضف إلى هذا أن كثرة السؤال عما لا يعني مضيعة للوقت و اشتغال بما هو عبث و داعية إلى الاختلاف و المجادلة بالباطل.
و مثل ذلك كثرة التفريع على مسائل لا أصل لها من الكتاب و لا السنة و لا الإجماع فيصرف فيها زمان كان صرفه في غيرها أولى.
و من ذلك البحث عن أمور مغيبة ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك البحث عن حقيقتها. و عما لم يثبت فيه دليل صحيح كالسؤال عن وقت الساعة و عن الروح، و عن مدة هذه الأمة إلى غير ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل و يوقع التعمق فيه في الشك و الحيرة؛ و قد روي أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «لا يزال الناس يتسائلون حتى يقال هذا اللّه خلق الخلق فمن خلق اللّه»[٢].
و ضابط القول في ذلك.
أن المذموم من البحث و السؤال هو الإكثار فيما لا يأتي بفائدة: و تفريع المسائل و توليدها لا سيما فيما يقل وقوعه أو يندر، و بخاصة إذا كان الحامل على ذلك المباهاة و المبالغة. و كذا إغلاق باب البحث و المناقشة حتى يفوت الإنسان كثير من الأحكام التي يحتاج إليها في حياته.
أما إمعان النظر و البحث في كتاب اللّه تعالى و المحافظة على ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و الصحابة الذين شاهدوا التنزيل و عرفوا السنة و ما دلت عليه فإن ذلك محمود نافع مطلوب، و هو الذي كان عليه عمل الفقهاء من التابعين، أما من جاء بعدهم، فقد كثر بينهم الجدال و المراء[٣] و تولدت الشحناء و البغضاء، و هم أهل دين واحد حتى
[١] - سورة الأنبياء، الآية: ٧.
[٢] - رواه البخاري في كتاب: الاعتصام بالكتاب و السنة، باب: ما يكره من كثرة السؤال و من تكلف ما لا يعنيه و ...( ٧٢٩٦).
و رواه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: في الأمر بالإيمان( ٣٤١).
[٣] - المراء: ما راه مراء: ناظره و جادله.