الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٢٧٩ - الشرح
الشرح:
لهذا الحديث سبب.
روي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خطب الناس فقال: «أيها الناس قد فرض اللّه عليكم الحج فحجوا»، فقال رجل أكل عام يا رسول اللّه؟ فسكت حتى قالها ثلاثا؛ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «لو قلت نعم لوجبت و لما استطعتم» ثم قال: «ذروني ما تركتكم» إلخ الحديث.
يعلم الرسول صلى اللّه عليه و سلم المسلمين الاقتصار في السؤال على ما لا بد لهم منه، و عدم الإلحاح فيما لا فائدة فيه مخافة أن تقع الإجابة بأمر يستثقل فيؤدي لترك الامتثال فتقع المخالفة و المعصية فيكون العذاب؛ و هذا إذا لم يكن المقام مقام استفهام و استرشاد حيث يحمد السؤال و يذم السكوت، و ربما تفضي كثرة السؤال إلى مثل ما وقع فيه بنو إسرائيل، إذ أمروا أن يذبحوا بقرة. فلو ذبحوا أي بقرة كانت لامتثلوا، و لكنهم شددوا فشدد عليهم.
ثم أرشدهم إلى أنه يجب عليهم أن يقفوا عند نواهي الرسول صلى اللّه عليه و سلم و يجتنبوا كل ما حظر عليهم فعله فلا يسوغ لهم الإتيان بشيء منه.
و قد استدل بعض العلماء بعموم النهي في هذا الحديث على أن الإكراه أو الضرورة لا تبيح فعل المنهي عنه كالتداوي بمحرّم أو دفع العطش به.
و أن الشرع لم يكلفهم إلا بما يطيقونه، فلا يكلفهم بما فوق طاقتهم و لا بما يستحيل عليهم فعله، و يدخل في ذلك كثير من الأحكام، كالصلاة لمن عجز عن ركن منها أو شرط فيأتي بما في مقدوره، و كذا الوضوء و ستر العورة و حفظ بعض الفاتحة.
و قد استدل بهذا الحديث على أن اعتناء الشرع بالمنهيات فوق اعتنائه بالمأمورات لأنه أطلق الاجتناب في المنهيات و لو مع مشقة الترك، و قيد في المأمورات بقدر الطاقة، و قد يقال إن النهي يقتضي الكف عن الشيء، و هذا مقدور لكل أحد و لا مشقة فيه، فلا يتصور عدم الاستطاعة، بخلاف الأمر فإنه يقتضي الفعل، و قد يعجز عن مباشرته كما هو مشاهد فلذا قيد الأمر بالاستطاعة دون النهي.