الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٢٦٨ - الشرح
معسرا قال لفتّيانه تجاوزوا عنه لعلّ اللّه أن يتجاوز عنّا فتجاوز اللّه عنه». [رواه البخاري[١]].
الشرح:
التجاوز عن المعسرين و تفريج كرب المكروبين من أعظم الأعمال مثوبة، و أكثرها عند اللّه أجرا، و عند الناس حمدا و شكرا.
و لقد قال الرسول صلى اللّه عليه و سلم: «من سره أن ينجيه اللّه من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه»[٢].
و قال صلى اللّه عليه و سلم: «من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج اللّه عنه كربة من كرب يوم القيامة»[٣]، و قد يأتي على المرء شدّة و مسغبة[٤] يضيق بها واسع رحابه، و تمسك بتلابيبه و تصبح الدنيا أمامه كسم الخياط، يودّ الخلاص منها بأي ثمن و إن غلا، و يودّ أن لو ابتلعته الأرض، لديون تراكمت، و أزمات به حلت لم تبق على رطب و لا يابس، و لا صامت من ماله و لا ناطق.
فإذا ما أنقذه دائنه مما هو فيه وحط عنه بعض دينه أو تجاوز له عما شغلت به ذمته. كان كمن ردّت إليه الحياة و قد كادت تزهق[٥]، أو انتشل من براثن[٦] الهلاك و قد أوشك أن يغرق، و ناهيك إذا كان المتجاوز تاجرا شأنه البيع و الشراء للربح و الكسب، فهو جدّ حريص على زيادة ماله. و إنما ثروته، و تقليب تجارته في الأسواق يبتغي المال الوفير، و الربح الكثير، فإذا ما وضع عن غريمه بعض ما عليه دل ذلك على إخلاصه و سلامة نفسه من الشح و رغبته في الخير و ابتغاء الأجر؛ فلا غرو أن يتجاوز اللّه عن سيئاته و يحط من أوزاره و يعفو برحمته عن هفواته[٧] و هو الغفور الرحيم.
[١] - رواه البخاري في كتاب: البيوع، باب: من أنظر معسرا( ٢٠٧٨).
[٢] - رواه مسلم في كتاب: المساقاة، باب: فضل إنظار المعسر( ٣٩٧٦).
[٣] - تقدم تخريجه ص ٥٤.
[٤] - المسغبة: المجاعة.
[٥] - تزهق: خرجت.
[٦] - براثن: البرثن: مخلب السبع أو الطائر الجارح، ج براثن( ٩/ ٤٦).
[٧] - الهفوة: السقطة و الزلة.