الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٢٤ - الشرح
الوحي ولّى مستكبرا كأن لم يسمعها، كأن في أذنيه وقرا، لا يرفع به رأسا، و لا يفتح له قلبا، و لا يقبل منه هدى. و هذا مثّله الرسول صلى اللّه عليه و سلم بالأرض المستوية؛ الرخوة السّبخة[١]؛ إذا نزل بها الماء أضلته في جوفها؛ و أضاعته في مسامها؛ و لم تخرج به كلأ و لا عشبا؛ و لا نباتا و لا ثمرا، فلا هي انتفعت بالماء و لا هي أمسكته على ظهرها، فانتفع به الحيوان و الإنسان أو سقي به أرض أخرى طيبة نقية فكذلك هذا الفريق لم ينتفع بالوحي و لم ينفع به فكان مثله كمثل الأرض الخبيثة، و هذا الفريق الذي قال اللّه فيه: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ[٢].
و فريق ثالث بين الفريقين لم يذكره الرسول صلى اللّه عليه و سلم؛ و ذكر مثله و من عرف الفريقين عرفه: بل المثل وحده يرشد إليه؛ فهو ذلك الشخص الذي سمع القرآن؛ فعقله و فهمه، و وقف على أحكامه، و حلاله و حرامه، و لكن لم يعمل به في خاصة نفسه، و لكن دعا الناس إليه علمهم ما تعلم، فهو كالذين قال اللّه فيهم: أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ[٣] فهذا قد نفع اللّه به العباد، و جعله معبر خير لهم و لم ينتفع هو بما علم و علّم، و كان حريا[٤] به أن يهذب نفسه بما هذب به غيره، فهذا مثله كالأرض الصلبة التي تمسك الماء لا تشربه، فيشرب منه الناس و الحيوان، و تسقي به الأرض الطيبة الخصبة، و يلقي بها الحب و البذور، فينبت بالماء نباتا حسنا، فيأكل الإنسان و يرعى الحيوان، فالأجادب نفعت و لم تنفع، كذلك العالم بالقرآن يعلمه و لا يعمل به، أفترضى أن تكون أرضا مجدبة؟ أليست نفسك أولى ببرّك و علمك، أتريد أن تكون ممن قال اللّه فيهم: لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتاً[٥] عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ[٦] فاستمع للوحي و تدبره، و هذب به نفسك؛ و كمل به خلقك؛ وادع الناس إليه بقولك، كما تدعوهم بعلمك وَ مَنْ
[١] - السّبخة: أرض ذات ملح و نز لا تكاد تنبت.
[٢] - سورة البقرة، الآيتان: ٦، ٧.
[٣] - سورة البقرة، الآية: ٤٤.
[٤] - حريا: جديرا.
[٥] - المقت: البغض و الكره.
[٦] - سورة الصف، الآيتان: ٢، ٣.