الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٢٣٤ - و يؤخذ من هذا الحديث سوى ما تقدم
الخطبة أو بلغه أمرها بدون الالتجاء إلى توبيخهم، و هذا من مكارم أخلاقه عليه الصلاة و السلام و حسن آدابه و جميل عشرته، و لقد قال تعالى: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ[١]، و قال عليه الصلاة و السلام «أدبني ربي فأحسن تأديبي».
و في الحديث إشارة إلى أن الحنيفية[٢] السمحة لا تدعو إلى الرهبانية و حرمان النفس مما أحله اللّه، و لكن ترغب في الإفطار ليقوى المؤمن على الصيام، و في النوم ليتقوى على القيام. و في التزوج ليكسر شهوة نفسه و يعفها و يكثر النسل.
و من رغب عن ذلك، فإن كان لنوع من التأويل و الفهم لا يعدّ ذلك خروجا عن الملة و لا كفرا، و يكون معنى (فليس مني) أي ليس من طريقتي و إن كان إعراضا و تنطعا[٣] يفضي إلى اعتقاد صواب ما عمل و رجحانه كأن معنى (فليس مني) فليس على ملتي لأن اعتقاد ذلك كفر، و إن كان تورعا لشبهة في ذلك لم يكن ممنوعا و لا مكروها.
و يؤخذ من هذا الحديث سوى ما تقدم:
١- التنبيه على فضل النكاح و الترغيب فيه.
٢- و عدم الغلو في الإنقطاع عن الملاذ و ما أحله الشرع.
٣- فيه رد على منع استعمال المباحات و الحلال من الأطعمة الطيبة و الملابس اللينة و آثر عليها غليظ الطعام و خشن الثياب من الصوف و غيره قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ[٤]، لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَ لا تَعْتَدُوا[٥].
و الحق: العدل، و القصد في جميع الأمور، فإن ملازمة الطيبات تقضي إلى الترفه و البطر[٦]، و لا يؤمن معها من الوقوع في الشبهات، كما أن منع النفس من
[١] - سورة القلم، الآية: ٤.
[٢] - الحنيفيّة: ملة الإسلام.
[٣] - تنطّعا: تكلفا و مغالاة.
[٤] - سورة الأعراف، الآية: ٣٢.
[٥] - سورة المائدة، الآية: ٨٧.
[٦] - البطر: بطر فلان: غلا في المدح و الزهو، فهو بطر.