الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٢٣١ - هذا و يؤخذ من الحديث سوى ما تقدم
يقتصر ثوابه على ما يقدمه قبل وفاته من صدقته بل أنه يثاب أيضا على أن يجعل أولاده في غنى عن سؤال الناس بما يقيهم عوز[١] الدهر و يدفع عنهم غائلة[٢] الأيام و بؤس الفقر و ذله، بل ليس ذلك فقط هو الذي يؤجر عليه المؤمن، فإن أقل الحظوظ الدنيوية إذا قصد به وجه اللّه كان طاعة يثاب عليها كما يشير إلى ذلك قوله: «حتى ما تجعله في فيّ امرأتك».
فانظر كيف أن البر الرحيم ذا الفضل العظيم يرضى من المسلم ببعض ماله و يجزيه عليه متى كان خالصا له وحده لا رياء فيه و لا نفاق، و يفيض عليه من رحمته على أدنى الخيرات يأتيها.
و قد عبر الرسول بقوله: «ورثتك» ليكون الجواب كليا مطابقا لكل حال يموت عليها سعد، سواء أورثه ابنته وحدها أم مع غيرها أم ورثه غيرها، و لم يخص ابنته دون سواها ليشمل جميع الورثة و أنه مطالب بأن يغنيهم بما يقيهم ذل السؤال.
و هناك لطيفة في نهاية الحديث. تلك هي قوله: «و إنك لن تنفق» ... إلخ، فإن سؤال سعد رضي اللّه عنه يشعر بأنه رغب تكثير الأجر فلما منعه الرسول صلى اللّه عليه و سلم من الزيادة عن الثلث قال له على سبيل التسلية و الترضية إن جميع ما تفعله في مالك من صدقة ناجزة و من نفقة و لو كانت واجبة تؤجر عليها ابتغيت بذلك وجه اللّه تعالى.
هذا و يؤخذ من الحديث سوى ما تقدم:
١- أن الوصية لا تجوز بأزيد من الثلث إن كان هناك وارث. و قد اختلف فيمن ليس له وارث، فذهب جمهور الأئمة إلى منعه من الزيادة عليه، و قال الحنفية يجوز الزيادة إذ ذاك مستدلين بأن الوصية في الآية مطلقة مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ[٣]، فقيدتها السنة بمن له وارث فبقي من لا وارث له على اطلاقه.
و بهذا الحديث أيضا لأن من لا وارث له لا يترك من يخشى عليه الفقر.
٢- أن السنة تقيد القرآن كما تقدم.
[١] - عوز: العوز: الحاجة و اختلال الحال.
[٢] - غائلة: الفساد و الشر.
[٣] - سورة النساء، الآية: ١٢.