الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ١٩٤ - الشرح
صاحبه، و قد اعترض على هذا الاستنباط بما جاء في حديث ابن عباس عند البخاري «و من هم بسيئة فلم يعملها كتبها اللّه عنده حسنة كاملة؛ فإن هو همّ بها، فعملها كتبها اللّه له سيئة واحدة»[١].
و مثل ذلك ما جاء في حديث أبي هريرة عند البخاري أيضا «إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها فإن عملها فاكتبوها له بمثلها. و إن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة»[٢]، فلم يجعل في الهم بالسيئة عقابا إذا لم يقترن بعملها.
و جعل في تركها خشية اللّه ثوابا. إذ جاهد باعث الشر حتى غلبه. وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى[٣]، و قد دفع هذا التعارض بعض العلماء بالتفرقة بين الهم و العزم. فالأول: مرور الفكرة بالنفس من غير استقرار فيها.
و الثاني: التصميم على المعصية و توطين النفس عليها. فالعقاب على الثاني دون الأول. و هو دفع مدفوع. و تفريق مردود. و لم يقم عليه دليل ثم إنه صرح بالإرادة في حديثنا و في حديث أبي هريرة المعارض. فالصواب من القول إنه لا تعارض أصلا. فإن حديثنا لم يرتب العقاب فيه على مجرد الحرص أو الإرادة بل هو مرتب على أمرين. الأخذ في تنفيذ الجريمة برفع السيف و التقاتل به. و سبق الإصرار عليها. و بعبارة أخرى: الشروع في الجريمة و القصد الجنائي كما يقول رجال القانون.
أما مجرد الشروع في الجريمة و القصد الجنائي كما يقول رجال القانون. أما مجرد العزم بدون تنفيذ فلا يدل حديثنا على المؤاخذة به و ظاهر حديث ابن عباس و حديث أبي هريرة أنه لا عقوبة فيه. بل التعبير بصيغة الافتعال في جانب الشر دون جانب الخير في قوله تعالى: لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ[٤]، يشعر بأن الشر لا بد فيه من المعالجة و المخالطة ليحسب على المرء فلا يكفي فيه مجرد النية. أما الخير فالنية فيه لها ثواب بقدرها: و يؤيد هذا حديث أبي هريرة عند الشيخين «إن اللّه تجاوز
[١] - رواه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: من هم بحسنة أو بسيئة( ٦٤٩١).
[٢] - رواه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: قول اللّه تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ ...( ٧٥٠١).
[٣] - سورة النازعات، الآيتان: ٤٠، ٤١.
[٤] - سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.