الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ١٩٠ - الشرح
لعبادة ربه، و الدعوة إلى دينه، و كذلك إذا خيّره أهل بيته بين أمرين اختار أيسرهما، فإذا خيّروه بين طعامين اختار أدناهما كلفة. و إذا استشار أصحابه في أي الطرق يسلك في سفرة أو غزوة، و في أي الأماكن ينزل، أو في أي البقاع تكون المعركة، فأشاروا بأمرين اختار الأيسر منهما، و هكذا دأبه، ما لم يكن أحد الأمرين معصية، فإنه يكون أبعد الناس منه، و كيف لا تنفر نفسه الطيبة الطاهرة بما يخدش طاعته لربه، و حرصه على شرعه و لن يخيره بين طيب و خبيث. كماء و خمر إلا جاهل بالدّين، أو منافق. أو كافر لا يعلم أحكام الشريعة، ذلك الخلق الأول.
أما الخلق الثاني فكان صلى اللّه عليه و سلم لا يناله أمر يمضه من جفاة الأعراب أو من ضعفة الإيمان، أو من أعدائه فينتقم لنفسه. فالأعرابي الذي جفا عليه في صوته، و الآخر الذي جذبه من ردائه حتى أثر في كتفه، و ذلك الذي اتهمه بالظلم في القسمة، و ذلك الذي أخذ منه سيفه على غرة و أراد الفتك به، فسقط من يده، و تناوله الرسول صلى اللّه عليه و سلم.
كل أولئك و أمثالهم صفح عنهم الرسول صلى اللّه عليه و سلم و هذا ما لم يكن الإيذاء له انتهاك لحرمة من حرمات اللّه، و اعتداء على شرعه فإنه ينتقم للّه، انتصارا لدينه، و قياما بواجب النهي عن المنكر.
و لذلك أقام حد القذف ثمانين جلدة على من رمى زوجه البتول بالإفك، و آذاه في أهل بيته و أهدر دماء جماعة من المشركين لما فتح مكة ممن كانوا يؤذونه لأنهم كثيرا ما انتهكوا حرمات اللّه وَ لا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ[١].
و الحديث يحثنا على أخذ اليسر، و الرغبة عن العسر، و يدعونا إلى الأخذ بالرخص إن كانت على النفس أسهل. و العفو عن المسيئين إلا أن ينتهكوا حرمات هذا الدّين، و يندبنا إلى الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و ألا تأخذنا في ذلك هوادة[٢].
[١] - سورة النور، الآية: ٢.
[٢] - الهوادة: اللين و الرفق.