الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ١٨٤ - الشرح
حضر الغزوات كلها- راكبا في سفر خلف الرسول صلى اللّه عليه و سلم دابته لا يفصله منه إلا آخرة الرحل التي كان يسند إليها ظهره. و كان إردافه له تواضعا منه صلى اللّه عليه و سلم و إكراما للشباب المجاهد، فقال: يا معاذ. قال إجابة لك يا رسول اللّه بعد إجابة، و طاعة لك بعد طاعة. فتركه الرسول صلى اللّه عليه و سلم دون أن يحدثه، و بعد أن سار ساعة قال: يا معاذ. قال:
إتجاها إليك يا رسول اللّه بعد اتجاه، و إسعادا بعد إسعاد، فتركه الرسول صلى اللّه عليه و سلم أيضا بدون محادثة. و بعد أن سار فترة قال: يا معاذ بن جبل. قال: إخلاصا لك يا رسول اللّه بعد إخلاص. و مساعدة غب[١] مساعدة، فتلك نداآت ثلاث نبهت معاذا إلى العناية بما يلقى؛ و صرف الذهن إليه، و إرهاف[٢] الأذن له؛ و إيقاظ الحافظة[٣] لضبطه و وعيه و عرفته أنه نبأ عظيم؛ و حديث خطير، ثم قال له: هل تدري يا معاذ ما حق اللّه على عباده و ما الذي يجب عليهم أن يحققوه شكرا له؟ و لم يستفهم الرسول صلى اللّه عليه و سلم منه استجوابا له، و لكن زيادة في تنبيهه إلى ما يلقى عليه، و تشويقا إليه.
و قد ردّ معاذ علم ذلك إلى اللّه الذي أحاط بكل شيء علما. و إلى الرسول صلى اللّه عليه و سلم الذي يبلغ عن اللّه وحيه و هذا من معاذ كمال أدب: وقف عند حده. و لم يقف ما ليس له به علم. و قد بين له الرسول صلى اللّه عليه و سلم أن حق اللّه على عباده أن يعبدوه و لا يشركوا به شيئا:
كلمة جامعة لم تترك من الدّين صغيرة و لا كبيرة. فعبادته الخضوع له و التذلل. و ذلك بطاعته فيما أمر و نهي فنؤمن برسوله و نصدق بكتابه، و نقيم الصلاة و نؤتي الزكاة، و نهذب نفوسنا و نصح أجسامنا بالصيام، و نحج البيت الحرام ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، و نحسن عشرة الناس، و نصدق في معاملتهم، و نخالقهم[٤] بخلق حسن، و نقف عند ما شرع اللّه، لا نتعدّى حدوده. و لا نتجاوز رسومه. و نجانب كل ما نهى عنه من الخبائث مما هو اعتداء على النفس. أو المال أو العرض أو إضرار بالخلق.
و أساس ذلك علم بكتاب اللّه، و بما احتواه، و هذا بتلاوته و تدبره و دراسته و تفهمه. أما توحيده و عدم الإشراك به فأن نعتقد أنه وحده صاحب الخلق و الأمر. و أن من دونه لا يملك ضرا و لا نفعا إلا ما شاء اللّه. سواء أكان ملكا مقربا؛ أو نبيا مرسلا، أو وليا عابدا؛ و من توحيده أن تكون الأعمال خالصة لوجهه؛ لا يشوبها خداع و لا رياء و لا
[١] - غبّ: بمعنى بعد.
[٢] - إرهاف: اصفاء.
[٣] - الحافظة: قوة تحفظ ما تدركه القوة الوهمية من المعاني و تذكرها و تسمى الذاكرة أيضا.
[٤] - نخالقهم: نعاملهم بخلق حسن.