الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ١٤٠ - الشرح
يزيدهم اللّه ضلالا إلى ضلالهم، و فسقا إلى فسقهم؛ عقابا لهم على مجاهرتهم فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً[١]. فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ[٢]، فالتوبة منهم غير مأمولة، و النصيحة لهم غير مقبولة، فكيف يرجى لهم من اللّه عفو، و يؤمل عنهم صفح. و سنته و نظامه أن عفوه للتائبين، و صفحه عن النّبيّين[٣]، و أن التأثر بالنصائح لمن لم يمت فيهم الاستعداد بالاستهتار في العصيان. أما من فقدوا الاستعداد فقرع الآيات يزيدهم غيا إلى غيهم وَ أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَ ماتُوا وَ هُمْ كافِرُونَ[٤]، فكيف يكون هؤلاء من المعافين، و إلى ذلك أن مجاهرتهم بالمعصية دعوة عملية للإقتداء بهم في إجرامهم، و سلوك سبيلهم، فيجيبهم ضعفاء الإيمان، واهنوا[٥] الإرادة، فيحملون من وزرهم، و يكتب لهم من فسقهم «و من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها، و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة»[٦]، فإن أمكنهم التخلص من آثامهم بالتوبة النصوح- إن كان لها في نفوسهم موضع- فكيف يتخلصون من أوزار من أضلوهم بغير علم؟
و قد بين الرسول صلى اللّه عليه و سلم أن من المجاهرة و الإعلان، أو من الفحش و الإهجار، أو من المجون و الاستهتار، و عدم المبالاة بالدّين، و برقابة الخبير العليم؛ و بشعور المسلمين- أن يقترف المرء جرما بالليل، و يغشى فاحشة تحت سترة البهيم. حيث النفوس عنه غافلة، و الأبصار إليه ناظرة؛ و إن كانت عين اللّه راعية، و أقلام الكتبة الكرام مقيدة. ثم يصبح؛ و لم يقف على جرمه إلا علام الغيوب، و ستار الذنوب فيهتك الستر، و يبوح بالسر، و يعلن عن نفسه بالإجرام، و عن سيرته بالسوء. و يلطخ عرضه بدنس الآثام، و رجس الشيطان فيقول للناس إذا ما أصبح و جمعته المجالس
[١] - سورة البقرة، الآية: ١٠.
[٢] - سورة الصف، الآية: ٥.
[٣] - النّبيين: ناب إلى اللّه: تاب و لزم طاعته.
[٤] - سورة التوبة، الآية: ١٢٥.
[٥] - واهنوا: ضعيفوا.
[٦] - و رواه مسلم في كتاب: العلم، باب: من سن سنة حسنة أو سيئة( ٦٧٤٥).
و رواه الترمذي في كتاب: العلم، باب: ما جاء فيمن دعا إلى هدى فاتبع أو إلى ضلالة و قال:
حسن صحيح( ٢٦٧٤).
رواه ابن ماجه في المقدمة، باب: من سن سنة حسنة أو سيئة( ٢٠٦).