الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ١٣٣ - ٥٤ - باب ذو الوجهين
٥٤- باب: ذو الوجهين
عن أبي هريرة قال النّبي صلى اللّه عليه و سلم: «تجد من شرار النّاس يوم القيامة عند اللّه ذا الوجهين، الّذي يأتي هؤلاء بوجه، و هؤلاء بوجه». [رواه البخاري و مسلم و أبو داود[١]].
من الناس من يظهر لك إذا قابلك أنه صديقك الحكيم، و الحريص على مصلحتك الساعي في منفعتك، و أنه عدو لعدوك، و أنه حرب عليه مثلك ناصب له حياة الشر، فتغتر بقوله، و تنخدع بوشيه، فتفضي إليه بسر نفسك و تبوح له بخبيئة أمرك، و تحدثه عن عدوك؛ و بما تنقم منه؛ و تعيب عليه، و ما تدبره له أو تتقي به شره و ضره و كيده و مكره. فإذا ما فارقك ذهب إلى عدوك و باح له بكل سرك؛ و دخيلة نفسك؛ و طعن له في عرضك و نال من شرفك، و أظهر له أنه عدو لك و حرب عليك، و أنه له الصديق الوفي فتطمئن نفسه إليه و ينطق فيك بالذم و في عرضك بالنهش ثم يحدث هذا بما فكر فيه و قدر، و بيت له و دبر، فيذهب به إلى الأول، و يقصه عليه قصا، حتى يوغر صدره[٢] إيغارا، و يشعل في قلبه نارا، فيزداد العداء؛ و تربو الشحناء؛ و هكذا دواليك بين الإثنين أو الحزبين؛ حتى تتأجج نيران العداوة و ترمي بشرر كالقصر؛ فمثل هذا منافق كذاب، مختال[٣] خداع، غشاش نمام، فكان لا ريب عند اللّه من الأشرار، حريا بصلي النار؛ و هذا هو ذو الوجهين المتلون بلونين، اللابس لباسين؛ و ليس منه من يسعى بالإصلاح بين خصمين أو حزبين متعاديين، فيحكي لكل فريق أحسن ما قال الآخر فيه، و يسكت عما ذكر من مساويه، و يعتذر لكل عما كان من الآخر من دواعي الخصام و أسباب العداء، حتى ينزع الكراهة من نفسهما نزعا، و يزرع المحبة في قلوبهما زرعا؛ فإذا بالخصمين صديقان، و بالعدوين
[١] - رواه البخاري في كتاب: الأدب، باب: ما قيل في ذي الوجهين( ٦٠٥٨).
و رواه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: خيار الناس( ٦٤٠١).
و رواه أبو داود في كتاب، الأدب. باب: في ذي الوجهين( ٤٨٧٢).
[٢] - يوغر: يمتلأ غيظا و حقدا.
[٣] - مختال: ختله: خدعه عن غفلة و رواغه.