المباحث المشرقية فى علم الالهيات و الطبيعيات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٤٨١ - الفصل الثاني في علمه سبحانه و تعالى بالجزئيات
مواد الحيوانات مثل المني و دم الطمث اجساما متشابهة الاجزاء و متشابهة الامتزاج ثم انه يتكون عنها حيوان مركب من اجسام مختلفة الطبائع متباينة الاوضاع و الجهات و من المعلوم ان القوة الواحدة الطبيعية في المادة الواحدة لا تفعل الا فعلا واحدا و من هذا حكمت الحكماء بان شكل البسيط هو الكرة^ (و قول من يقول) المني و ان كان متشابه الاجزاء في الحس الا انه مختلف الاجزاء في الحقيقة لا يدفع هذه الحجة^ (لانا نقول) هب ان اختلاف الاعضاء لاختلاف المواد فما السبب المقتضى لتشكل كل عضو بشكل مخصوص (ثم) ما السبب لترتيب الاعضاء و تجاورها على احسن ترتيب و اكمل وضع بحيث عجزت العقول السليمة عن احصاء منافع ذلك الترتيب فظاهر عند ذوى العقول السليمة انه لا يمكن استناد ذلك الى اختلاف المواد و لا الى قوة طبيعية عديمة الشعور بآثارها و افعالها و لا الى النفس التي للواحد منا فان نفوسنا عند ما تصير اكمل و اقوى ربما لا تحيط بهيئة الاعضاء و تركيبها و منافعها بعد اتعاب الخاطر في التعلم و الاستعانة بمقالات المتقدمين الا بالقليل و لا تقدر على ان تتصرف في هذا البدن تصرفا قليلا فضلا عن الكثير فكيف يخطر ببال العاقل انها عند ما كانت في غاية الضعف و نهاية الغفلة فعلت هذا البدن العجيب التركيب مع ما فيه من المنافع و الكمال فظاهر بين ان هذا التركيب لا يصدر الا عن فاعل حكيم قادر على الكمال عالم بالكليات و الجزئيات^ (فهذا تقرير هذه الحجة) و هى قوية جدا و لكن عليها اشكالان^ (الأول) ان يقال هب ان فاعل هذه الأبدان و مركبها حكيم عالم بالجزئيات لكن لم قلتم ان ذلك هو المبدأ الأول فلم لا يجوز ان يكون المبدأ الأول