المباحث المشرقية فى علم الالهيات و الطبيعيات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٧٣ - الفصل الأول في بيان ان النفس الانسانية ليست بجسم و لا منطبعة في جسم
على الافعال الضعيفة عند صدور الافعال القوية عنها^ (فنقول) انا اذا ادعينا ان الفعل الجسماني القوي يمنع من الفعل الجسماني الضعيف و هاهنا اذا تخيلنا الشمس و القمر فالمدرك قوي اما ربما لا يكون ادراكنا لهما قويا فلا جرم لا يمنع من تخيل الأشياء الضعيفة و اما اذا قوى تخيلنا لهما بحيث صرنا مستغرقين في ذلك التخيل امتنع علينا و الحال هذه تخيل الأشياء الحقيرة (و اما القوة) العقلية فليست كذلك فانا اذا عقلنا الشيء العظيم امكننا فى ذلك الوقت تعقل الشيء الحقير^ (و لقائل) ان يقول كما انا متى استغرقنا في تخيل شيء عظيم انقطعنا عن تخيل الأشياء الصغيرة كذلك متى استغرقنا في تعقل شيء عظيم انقطعنا عن تعقل غيره (و الدليل عليه) ان من استغرق في جلال اللّه جلت عظمته امتنع عليه في تلك الحالة ان يشتغل بسائر المعقولات^ (الدليل العاشر) و هو الذي عول عليه افلاطون و قرره بعض اهل التحقيق من المتأخرين انا نتخيل صور الا وجود لها في الخارج كبحر من الشراب و جبل من الياقوت و نميز بين هذه الصور المحسوسة و بين غيرها فهذه الصور امور وجودية و كيف لا تكون كذلك و نحن اذا تخيلنا زيدا ثم شاهدناه حكمنا انه ليس بين الصورة المحسوسة و المتخيلة فرق البتة و لو لا ان تلك الصورة موجودة لم يكن الامر كذلك و محل هذه الصوره يمتنع ان يكون شيئا جسمانيا فان جملة ابداننا بالنسبة الى الصور المتخيلة لنا قليل من كثير فكيف تنطبق الصور العظيمة على المقادير الصغيرة^ (و ليس يمكن ان يقال) ان بعض تلك الصور منطبعة في ابداننا و بعضها فى الهواء المحيط بنا اذ الهواء ليس من جملة ابداننا و لا آلة لنفوسنا ايضا