المباحث المشرقية فى علم الالهيات و الطبيعيات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٧٩ - الفصل الأول في بيان ان النفس الانسانية ليست بجسم و لا منطبعة في جسم
(و بهذا ايضا) ظهر فساد قول من يقول لعل القوة المدركة لجميع المدركات قائمة بجسم لطيف محصور في بعض الاعضاء (لانا نقول) لو كان كذلك لكنا نجد من ابداننا موضعا مشتملا على جسم موصوف بكونه سامعا مبصرا عاقلا فاهما و لسنا نجد ذلك^ (و ليس لاحد ان يقول) هب انكم لا تعرفون ذلك الموضع اما عدم علمكم بذلك فلا يدل على عدمه (لانا نقول) انا قد دللنا على انا نحن السامعون المبصرون المتخيلون الفاهمون العاقلون فلو كان بعض الاجسام سواء كان جزأ من البدن او كان محصورا في جزء من البدن يكون موصوفا بالقوة المتعلقة بجميع هذه المدركات فحينئذ لم يكن حقيقيا و لا هويتنا الا ذلك الجسم الموصوف بتلك القوة المتعلقة بجميع المدركات و لو كان كذلك ثم انا لا نعرف ذلك الشيء لكنا لا نعرف حقيقة انفسنا و ذلك باطل فثبت ان الموصوف بتلك القوة المدركة لجميع الادراكات ليس جسما اصلا فهو جوهر مجرد و ذلك هو المطلوب^ (و اما المنكرون) لتجرد النفس فلهم ان يحتجوا بامور ثلاثة^ (الأول) انا نعلم بالضرورة ان المدرك لألم الضرب هو البشرة و ان المدرك للذوق هوا للسان فاذا هذه الادراكات جسمانية و قد دللتم على ان المدرك لجميع المدركات بجميع اصناف الادراكات شيء واحد فلما ثبت ان المدرك للملموسات و المذوقات شيء جسماني وجب ان يكون المدرك للمعقولات شيئا جسمانيا و ذلك هو المطلوب^ (و الثاني) انا اذا رأينا شخصا معينا ثم رأيناه بعد ذلك فانا نعلم بالبداهة ان هذا الانسان هو الذي شاهدناه بالامس و لو اعتبر في هويته شيء وراء هذه البنية