المباحث المشرقية فى علم الالهيات و الطبيعيات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٢٠ - الفصل السادس في كيفية دخول الشرفى القضاء الالهي
(و اعلم) ان الشر بالذات هو عدم ضروريات الشيء و عدم منافعه مثل عدم الحياة و عدم البصر فان الموت و العمى لا حقيقة لهما الا انهما عدم الحياة و عدم البصر و هما من حيث هما كذلك شران فاذا ليس لهما اعتبار آخر ليكونا بحسبه شرين و اما عدم الفضائل المستغنى عنها مثل عدم العلم بالفلسفة فظاهر ان ذلك ليس بشر و اما الامور الوجودية فانها ليست شرورا بالذات بل بالعرض من حيث انها تتضمن عدم امور ضرورية او نافعة^ (و يدل عليه) انا لا نجد شيئا من الافعال التي يقال لها شر الا و هو كمال بالنسبة الى الفاعل له و اما شريته فقد كانت بالقياس الى شيء آخر فالظلم مثلا يصدر عن قوة ظلامة للغلبة و هى القوة الغضبية و الغلبة هى كما لها و فائدة خلقتها فهذا الفعل بالقياس اليها خير لانها ان ضعفت عنه فهو بالقياس اليها شر لها و انما هو شر للمظلوم لفوات المال عنه و النفس الناطقة التي كمالها الاستيلاء على هذه القوة فعند فوت القوة الغضبية تفوت النفس ذلك الاستيلاء فلا جرم كان شرا لها و كذلك النار اذا احرقت فان الاحراق كمال لها لكنها شر بالقياس الى من زالت سلامته بسببها و كذلك القتل و هو استعمال الآلة لقطاعة في قطع رقبة الانسان فان كون الانسان قويا على استعمال الآلة ليس شرا له بل هو خير و كذلك كون الآلة قطاعة خير لها و كذلك كون الرقبة قابلة للانقطاع كل ذلك خيرات و لكنه اعنى القتل شر من حيث انه يتضمن زوال الحياة فثبت بما ذكرناه ان الامور الوجودية ليست شرورا بالذات بل بالعرض^ (المقدمة الثانية) ان الأشياء اما ان تكون مادية اولا تكون فان لم تكن مادية لم يكن فيها ما بالقوة فلا يكون فيها شر اصلا و ان كانت مادية كانت في معرض الشر و عروض الشر لها اما ان يكون في ابتداء تكونها او بعد