المباحث المشرقية فى علم الالهيات و الطبيعيات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٨٢ - الفصل الثالث في الشم * و فيه بحثان
انما اوجبنا ان يكون الحاكم على نوع واحد من التضاد قوة واحدة ليتم الشعور و التميز و الطعوم و ان كثرت الا ان فيما بينها مضادة واحدة و اما الملموسات فليس فيما بينها مضادة واحدة فان بين الحرارة و البرودة نوعا واحدا من المضادة و هو غير النوع الذي بين الرطوبة و اليبوسة^
الفصل الثالث في الشم^ و فيه بحثان
(البحث الأول) ان الانسان يكاد ان يكون ابلغ الحيوانات في الشم الا انه اضعفها في بقاء مثله في خياله فان رسوم الروائح في نفس الانسان ضعيفة جدا و لذلك لا يكون للروائح عنده اسما الا من جهتين احداهما من جهة الموافقة و المخالفة بان يقال رائحة طيبة و رائحة منتنة و الاخرى من جهة النسبة الى الطعوم فيقال رائحة حلوة و حامضة و يشبه ان يكون حال ادراك الانسان للروائح كحال ادراكات الحيوانات الصلبة «١» العيون للمبصرات فان ادراكها لها يكاد ان يكون كالتخيل غير المحقق و اما كثير من الحيوانات الصلبة العيون فقوتها على ادراك الروائح قوية جدا بحيث لا يحتاج الى التنشيق (و نقول) ان مما لا شك فيه ان واسطة الشم جسم لا رائحة له و هو الهواء^ (البحث الثاني) زعم بعضهم ان الرائحة انما تتأدى بان تتحلل اجزاء من الجسم ذى الرائحة و تتبخر و تخالط المتوسط (و احتج عليه) بانه لو لم يكن كذلك لما كانت الحرارة تهيج الروائح بسبب الدلك و التبخير و ما كان البرد يحقنها و معلوم ان التبخير يذكى الروائح (و ايضا) نرى ان التفاحة تذبل من كثرة الشم فدل ذلك على تحلل اجزائها^ (و زعم آخرون) ان الهواء المتوسط يتكيف بتلك الكيفية من غير ان يخالطه شيء من الجسم الذي له تلك الرائحة اذ لو كانت الروائح التي تملأ المحافل