المباحث المشرقية فى علم الالهيات و الطبيعيات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٥١ - الفصل الأول في حقيقة المزاج
غير المماسة تقتضى نوعا آخر من المحاذاة و القرب فان المتوسط اذا كان لا يسخن و لا يبرد لم يسخن المنفعل الا بعد ايضا و لم يبرد و ان سخن المتوسط القريب و بواسطته يسخن الجسم البعيد وجب ان يكون المسخن مسخنا لذلك البعيد بواسطة المماسة لا محالة فالفعل و الانفعال انما يجريان بين الاجسام التي عندنا بفعل بعضها في بعض اذا كانت بينهما مماسة^ هذا ما قاله الشيخ^ (و قد ذكر) فى الفصل السابع من المقالة الثالثة من علم النفس من طبيعيات الشفاء فصلا يناقض ما ذكره هاهنا فانقله بلفظه^ (قال) في جواب من انكر تأدى اشباح المبصرات في الهواء من غير ان يتكيف الهواء انه ليس بينا بنفسه و لا ظاهرا ان كل جسم فاعل يجب ان يكون ملاقيا للملموس فان هذا و ان كان موجودا استقراء في اكثر الاجسام فليس واجبا ضرورة ان يكون كل فعل و انفعال باللقاء و التماس بل يجوز ان يكون افعال اشياء من غير ملاقاة فتكون اجسام تفعل بالملاقاة و اجسام لا تفعل بالملاقاة و ليس يمكن لاحد ان يقيم برهانا على استحالة هذا و لا على انه يجب ان يكون بين الجسمين و نسبة وضع يجوز ان يؤثر به احدهما في الآخر من غير ملاقاة و ان بقى هاهنا ضرب من التعجب فكما انه لو كان اتفق ان كانت الاجسام كلها انما يفعل بعضها في بعض بمثل تلك النسبة المبائنة و اتفق اذا ان شوهد فاعل يفعل بالملاقاة يتعجب منه ايضا كما يتعجب الآن من مؤثر بغير ملاقاة^ (فاذا كان) هذا غير مستحيل في اول العقل و كانت صحة مذهبنا المبرهن عليه توجبه و كان لا برهان البتة بنقيضه فنقول ان من شان الجسم المضيء بذاته او المستنير الملون ان يفعل في الجسم الذي يقابله اذا كان قابلا للشبح قبول البصر