المباحث المشرقية فى علم الالهيات و الطبيعيات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٠٥ - الفصل السابع في الانطباع و ادلة المختلفين فيه
آخر (فاما الذي) يحتجون به على ان النفس لا ينطبع فيها صور الجزئيات فسيأتى الكلام عليه و قولهم انطباع المقدار العظيم في المحل الصغير اقرب الى العقل من انطباع المقدار العظيم فيما لا مقدار له^ فنقول للشيخ و اصحابه هذا الكلام لا يتأتى منك لان محل المقدار هو الهيولى التي لا مقدار لها في ذاتها فاذا كان هذا مذهبا لك فكيف يمكنك انكار هذا الكلام و ايضا فلان المعلوم بالبديهة ان كل مقدارين ينطبعان فاما ان يتساويا او يتفاضلا و متى تفاضلا كانت الفضلة خارجة و اذا كان كذلك امتنع انطباع المقدار العظيم في المحل الصغير و اما الشيء الذي لا مقدار له فانه يستحيل ان يوصف بانه اصغر من مقدار آخر او اكبر منه فحينئذ لا يلزم من حلول المقدار العظيم فيه خروج بعض ذلك المقدار عن المحل فظهر الفرق فهذا ما يمكن ان يقال في هذه الحجة^ (الدليل الثاني) لو كان الابصار لاجل الانطباع لما كنا نفرق بين القريب و البعيد فان المبصر اذا كان هو الشبح المنطبع في العين فذلك الشبح لا يختلف حاله بان يرتسم من شيء بعيد او من شيء قريب كما ان الجسمين اذا حضرا عند الرائى احدهما من مكان بعيد و الآخر من مكان قريب فان الرائى لا يميز من حيث الابصار بان احدهما جاء من مكان قريب و الآخر من مكان بعيد و لما كان الاحساس بالقرب و البعد حاصلا بطل الانطباع^ (و لقائل ان يقول) لم لا يجوز ان ينطبع في عين الرائى صور المسافات الطويلة و القصيرة فلا جرم صح منه ان يدركها و الذي يدل عليه انا تتخيل امورا لا وجود لها في الخارج على مسافات مخصوصة من القرب و البعد فاذا كانت تلك الأشياء معدومة في نفسها كان ما بينها من القرب و البعد معدوما ايضا في