المباحث المشرقية فى علم الالهيات و الطبيعيات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٧١ - الفصل الأول في بيان ان النفس الانسانية ليست بجسم و لا منطبعة في جسم
(الدليل الثامن) قالوا النفس غنية في افعالها عن المحل و كل ما كان غنيا في فعله عن محل يحله فهو في ذاته ايضا يكون غنيا عن محل يحله فالنفس غنية عن المحل^ (اما بيان) ان النفس غنية في فعلها عن المحل فوجوه ثلاثة (الأول) انها تدرك نفسها و من المستحيل ان يكون بينها و بين ذاتها آلة فهى في ادراك ذاتها غنية عن الآلة^ (الثاني) انها تدرك ادراكها لنفسها و ليس ذلك بآلة^ (الثالث) انها تدرك آلتها التي تدعى لها و ليس بينها و بين آلتها آلة اخرى فثبت ان النفس غنية في فعلها عن الآلة و المحل و كل ما كان كذلك فهو في ذاته ايضا يكون غنيا عن المحل لوجهين^ (احدهما) ان القوى النفسانية لما كانت جسمانية و كانت محتاجة في ذاتها الى محالها لا جرم تعذر عليها ادراك ذواتها و ادراك ادراكاتها و ادراك آلتها فلو كانت القوة العاقلة جسمانية لتعذر عليها ذلك^ (و ثانيهما) ان مصدر الفعل هو الذات فلو كانت الذات متعلقة في قوامها و وجودها بذلك المحل كان الفعل صادرا عن تلك الجهة فيكون للجهة المتعلقة بذلك الفعل مدخل في ذلك الفعل فيكون الفعل بمشاركة ذلك المحل و قد فرض انه ليس كذلك فظاهر ان النفس غنية عن المادة^ (و لقائل) ان يقول لم قلتم ان القوة العاقلة لما كانت وحدها هى المدركة لذاتها و لادراكها لذاتها و لادراكها لآلتها وجب ان لا تكون جسمانية فاما قولكم ان القوى الحساسة لما كانت جسمانية تعذر عليها ذلك فالقوة العاقلة لو كانت جسمانية لتعذر عليها ذلك^ (فنقول) لم قلتم ان تلك القوى انما تعذر عليها هذه الادراكات لكونها