المباحث المشرقية فى علم الالهيات و الطبيعيات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٤٠٧ - الفصل العاشر في احتجاج القدماء على وحدة النفس
(و لقائل ان يقول) ما المعنى بكون النفس رباطا لهذه القوى فان عنيت به ان النفس علة لوجودها فهذا القدر لا يكفى في كون البعض معاونا للبعض على ما فعله او معاوقا له فان العلة اذا اوجدت قوى مخصوصة في محال متباينة و اعطت لكل واحدة منها آلة خاصة كانت كل واحدة منها منفصلة عن القوة الاخرى غنية عنها غير متعلقة بها بوجه من الوجوه فشروع بعضها في فعله الخاص كيف يمنع الآخر عن فعله أ ليس ان العقل الفعال مبدأ لوجود جميع القوى في الابدان فيلزم من كونها باسرها معلولة لمبدإ واحد و علة واحدة ان يعوق البعض البعض عن فعله او يعينه على ذلك و ان عنيت به ان النفس مدبرة لهذه القوى و محركة لها فهذا يحتمل وجهين^ (الأول) ان يقال ان النفس تبصر المرئيات و تسمع المسموعات و تشتهى المشتهيات و تكون ذاتها محلا لهذه القوى و مبدءا لهذه الافعال فاذا ابصرت اشتهت او غضبت و هذا هو الحق و لكن ذلك يوجب القول ببطلان القوى التي اثبتها الشيخ في بعض الاعضاء المخصوصة فان النفس اذا كانت هى الباصرة و السامعة و المشتهية فاي حاجة الى اثبات القوة الباصرة في الروح التي في ملتقى العصبتين و الى اثبات قوة سامعة في الروح التي في العصب الصماخى^ (و بالجملة) فالإنسان انما ابصر و سمع بابصار و سماع قائمين به لا بابصار و سماع قائمين بغيره^ (و الثاني) ان يقال نعنى بكون النفس رباطا ان القوة الباصرة اذا احست بالمحسوس الجزئي استعدت النفس لان تدرك ذلك على وجه كلي مثلا اذا ادركت القوة الباصرة صورة شخص معين ادركت النفس الناطقة ان في الوجود شخصا موصوفا بلون كذا و شكل كذا و هيئة كذا و كل ذلك