المباحث المشرقية فى علم الالهيات و الطبيعيات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٣٠ - الفصل الثاني في ماهية النفس
النفس فيتقدم عليها بالذات فكيف تكون النفس علة لاجتماع العناصر و كيف يتأخر الشيء عما هو متقدم عليه (و الجواب) ان الجامع الأول هو القوة المولدة للوالدين الى ان يحصل له استعداد ان يقبل من واهب الصور قوة حافظة لذلك الجمع بحيث تكون موردة بدل ما يتحلل عن ذلك المركب و ملصقة به ما تورده عليه و مشبهة به الى ان يصل الى كمال النشو فانقطع الدور^ (و اعلم) ان النفس ليست هى الحافظة القريبة لهذا الاجتماع بل الحافظ لذلك قوة من قوى النفس و هى النامية بتوسط الغاذية^ (البرهان الثاني) النبات و الحيوان يتحركان من تلقاء نفسيهما الى كمالاتهما فى الكم و الكيف و لا محالة انهما تتحركان في امزجتهما لان الامزجة تابعة للممتزجات فالمزاج متبدل عند الحركة و المحرك غير متبدل فالمزاج ليس هو ذلك المحرك و ايضا فان البدن الذي يسوء مزاجه قد يعود الى المزاج الصحيح و لا بد من معيد و ليس هو المزاج الصحيح الذي بطل و لا الفاسد فاذا المحرك غير المزاج و ليس خارجا عن جسم الحيوان لانه لو كان مفارقا فهو لا يفعل الا بواسطة قوة جسمانية كما عرفت و ان لم يكن مفارقا فهو لا يفعل لمجرد جسميته العامة بل لقوة فيه و هو المطلوب و على انا نعلم قطعا انه ليس اغتذاء الحيوانات و نموها بسبب جسم قاسر من الخارج^ (البرهان الثالث) لو كان المحرك هو المزاج لما حدث الاعياء لان الاعياء انما يكون من سبب حركة طارئة على الجسم على خلاف ما يقتضيه طبعه و ليس يمكن ان يقال ان طبائع البسائط تقتض حركة خلاف ما يقتضيه امتزاجها لان فعل الطبائع بعد امتزاجها يجب ان يكون من جنس فعلها حال بساطتها و لا يختلفان الا بالقوة و الضعف فانه لو كان مقتضى المزاج مقابلا لمقتضى