الفقه و مسائل طبية - ط بوستان کتاب - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٤١٧ - المسألة الخامسة و الستون فوائد
على نفسه الهلاك إن لم يستعمل الدم، فالضرورات تبيح المحظورات ... فإذا بلغ الحال بالمريض إلى خوف التلف على نفسه جاز نقل الدم له، بل ربّما يجب لإنقاذ نفسه[١]».
أقول: الثابت من الكتاب العزيز و الأحاديث هو حرمة أكل الدم أو شربه وحده دون ساير الاستعمالات و التصرفات، كحمله أو النظر إليه مثلا، فحرمة الدم هو حرمة أكله حسب انصراف اللفظ و فهم العرف جزما، فالإفتاء بحرمة نقل الدم إلى جسم إنسان آخر في فرض عدم الاضطرار غلط و إفراط[٢].
و بعبارة دقيقة: أنّ الأعيان الخارجية لا يصحّ اتصافها بأحد من الأحكام الخمسة، و إنّما هي موضوعات للأحكام، و الأحكام لا بدّ لها من متعلّقات، و هي من أفعال المكلّفين، كالأكل و النكاح و النظر و التوهين و التعظيم و نحوها.
فحرمة الأمهات راجعة إلى نكاحهنّ دون تقبيلهنّ، و حرمة الدم تتعلّق بالأكل و هكذا، و كأنّ هذا غير خفيّ على العوام فضلا عمّن يدّعي العلم.
و الثابت من الأحاديث عدم جواز استعماله فيما يعتبر فيه الطهارة، فلا يجوز الصلاة و الطواف في لباس فيه دم نجس و لا بدّ في طهارة البدن و اللباس من الدم في الصلاة و الطواف، و من طهارة ما يؤكل و ما يشرب منه، و عليه فيجوز الانتفاع بالدم في غير ما ذكر بكلّ وجه في حال الاختيار، اعتمادا على أصالة البراءة.
و أمّا جواز أكل الدم و الميتة و لحم الخنزير و ما أهلّ به لغير اللّه و زوال حرمته، فهما ينشئان من الاضطرار.
و هنا سؤال معقّد، و هو أنّ مقتضى قوله تعالى: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ هو جواز ارتكاب المحرّمات عند الحرج دون الاضطرار. و مقتضى قوله تعالى: وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ[٣] أنّ رافع الحرمة هو الاضطرار دون الحرج فيقع التنافي بينهما؛ بناء على عدم ترادف الاضطرار و الحرج.
و الجواب إمّا أن نقول باختصاص رافعية الاضطرار بحرمة الأشياء المذكورة- أي الميتة
[١] . نفس المصدر ص ٩٦.
[٢] . و يدلّ على هذا الانصراف أيضا قوله تعالى: فمن اضطرّ في مخمصة بعد قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ( المائدة آية ٣) فإنّ كلمة« مخمصة» أي مجاعة تدلّ بوضوح على أنّ المراد من حرمة الميتة و الدم و لحم الخنزير هو أكلها فقط.
[٣] . الأنعام آية ١١٩.