الفقه و مسائل طبية - ط بوستان کتاب - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٢١ - إذا ثبت ذلك فهاهنا مباحث
آخر، فلاحظ و تأمّل.
و حديث نفي التقية في مورد الدم ربّما يشهد لهذه الدعوى و لو بتنقيح المناط، فلاحظ.
و هنا طريق آخر، و هو أنّ المقام داخل في دوران الأمر بين المتزاحمين، و هما حرمة قتل النفس المحترمة و وجوب حفظ النفس أو حرمة إلقائها في التهلكة، فيكون المكلّف مخيّرا بينهما و إن لم يبعد أهمية الأولى من الثانية بشهادة بعض الآيات و الأحاديث، كقوله تعالى: مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً، و قوله تعالى: مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها فلا يجوز قتل الغير و إن علم بقتل نفسه من قبل المكره (بالكسر).
نعم، المكلّف المكره- بالفتح- أيضا مؤمن، بل ربّما يكون أقوى إيمانا و أكثر علما و خدمة للمسلمين، و كل ما ورد في ذمّ قتل المؤمن و عقابه فهو شامل ملاكا و مناطا لقتل المكلّف نفسه أيضا، و إن لم يشمله لفظا فالحكم هو التخيير.
من قطع بذلك فله الحكم بالتخيير، و من لم يقطع به فليقدّم حفظ نفس الغير على نفسه، و اللّه العالم.
و أمّا الجواب عن السؤال الثاني فهو عدم ثبوت وجوب حفظ نفس الغير المحترمة بهذا الحدّ، كما ذكرناه في الجزء الثالث من كتابنا حدود الشريعة في مادة الحفظ[١]، بل الظاهر نفيه بأدلّة العسر و الحرج، و السيرة أيضا تؤيّده، فلاحظ.
يقول صاحب جواهر الكلام: و كذا لا يجوز للإنسان أن يقطع جزءا منه للمضطر و إن قطع بالسلامة، إلّا أن يكون المضطر نبيّا و إن قطع بالسراية، و اللّه العالم[٢].
و أمّا الجواب عن الثالث، فهو أنّه لا يجوز التصرّف في مال الغير من دون رضاه إلّا في فرض الخوف من التلف، فيجوز مع الضمان و لو بالقوّة و دفع المالك غير المضطرّ.
و بعبارة أخرى اضطرار المكلّف إنّما يؤثّر في نفي الحرمة التكليفية فقط إذا لم يكن المالك نفسه مضطرا إلى ماله، دون نفي الحكم الوضعي من الضمان و ملكية الناس لأموالهم، و ينشأ منه وجوب أداء المال الذي أتلفه عند التمكّن.
[١] . وجوب حفظ نفس غير المحترمة كأنّه مسلّم بين المذاهب، فانظر رؤية إسلامية لبعض المشاكل الصحّية ج ٢ ص ٧٩٩ و حدود الشريعة في محرماتها ج ٣.
[٢] . جواهر الكلام ج ٣٦ ص ٤٤٣.