الفقه و مسائل طبية - ط بوستان کتاب - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣١٣ - الثانية حكم التداوي بلحاظ التوكل في فقه أهل السنة
و من تداوى فينبغي أن يعتقد يقينا و يؤمن حقّا أنّ الدواء لا يحدث شفاء و لا يولّده، و لكن الباري يخلق الموجودات واحدا عقيب الآخر.
و فيما قالاه نظر، ذلك أنّه روى أبو داود و الترمذي و ابن ماجه، و اللفظ لأبي داود: عن أسامة بن شريك رضى اللّه عنه قال أتيت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- و أصحابه كأنّما على رءوسهم الطير- فسلّمت، ثمّ قعدت، فجاء الأعراب من هاهنا و هاهنا، فقالوا يا رسول اللّه أ نتداوى؟ فقال: «تداووا، فإنّ اللّه عزّ و جلّ لم يضع داء إلّا وضع له دواء غير داء واحد الهرم».
و الذي يترجّح عندي أنّ الحديث يتجاوز مطلق الإذن المباح المستوي الطرفين إلى ترجيح الإقدام على التداوي؛ لأنّه لو كان مباحا لخيّرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- ... و لأنّ المباح بالجزء ينقلب واجبا بالكلّ ... فلو أعرض كلّ الناس عن التداوي لهلك الجنس أو يكاد. انتهى ما أردنا من كلامه[١].
أقول: منافاة اختيار الأسباب الموهومة للتوكّل، اختارها بعض علماء الإمامية أيضا في علم الأخلاق[٢]. و يمكن أن يقال: إنّ التوكل إن نافى اختيار الأسباب المادية و نحوها، لنا فى مطلق الأسباب و إن كانت مقطوعا بها، و إن قلنا: إنّ التوكّل الواجب و هو الاعتماد على اللّه سبحانه و تعالى، و اتّباع الأسباب من دون اعتماد عليها، بل مع الاعتماد على مسبّبها غير مناف له.
و في حديث غير معتبر سندا عن الإمام الصادق عليه السّلام: «و اعقل راحلتك و توكل على اللّه[٣]».
فلا ينافيها مطلقا.
و الضابطة الكلّية المطردة أنّ سلسلة الأسباب و المسبّبات و قانون العلية لا تنافي إرادة اللّه و قدره و قضاءه كما تخيّله الأشاعرة لضعف عقولهم و بلادة أفكارهم. و هؤلاء أنكروا الحسن و القبح العقليين أيضا، و أنكروا أصل السببية فأبطلوا الحكمة النظرية و العملية معا!!. فافهم المقام.
و اعلم أنّ التوكّل على اللّه تعالى واجب شرعي على الناس و لم يقيّد وجوبه في القرآن[٤] بمورد دون مورد، و هؤلاء لم يذكروا دليلا على اختصاص التوكّل بترك الأسباب الموهومة دون
[١] . نفس المصدر ص ١٦٣- ١٦٤.
[٢] . و التوكل واجب فقهي كما ذكرناه في الجزء الرابع من كتابنا حدود الشريعة في محرماتها في حرف الواو في مادة التوكّل.
[٣] . بحار الأنوار ج ٧١ ص ١٣٧ و ج ١٠٣ ص ٥.
[٤] . و على الله فلتوكّل المؤمنون. و على الله فتوكّلوا إن كنتم مؤمنين.