نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٥٥ - ٣١ - و من وصيّة له عليه السّلام للحسن بن على عليهما السلام، كتبها إليه بحاضرين منصرفا من صفين ٥
فكن منه على حذر أن يدركك و أنت على حال سيّئة قد كنت تحدّث نفسك منها بالتّوبة فيحول بينك و بين ذلك، فإذا أنت قد أهلكت نفسك
يا بنىّ، أكثر من ذكر الموت، و ذكر ما تهجم عليه، و تفضى بعد الموت إليه، حتّى يأتيك و قد أخذت منه حذرك [١] و شددت له أزرك، و لا يأتيك بغتة فيبهرك [٢]! و إيّاك أن تغترّ بما ترى من إخلاد أهل الدّنيا إليها [٣] و تكالبهم عليها، فقد نبّأ اللّه عنها، و نعت لك نفسها [٤]، و تكشّفت لك عن مساويها، فإنّما أهلها كلاب عاوية، و سباع ضارية، يهرّ بعضها بعضا [٥] و يأكل عزيزها ذليلها، و يقهر كبيرها صغيرها، نعم معقّلة [٦] و أخرى مهملة قد أضلّت عقولها [٧] و ركبت مجهولها، سروح عاهة [٨] بواد وعث! ليس
[١] الحذر - بالكسر - الاحتراز و الاحتراس، و الأزر - بالفتح -
[٢] بهر - كمنع - غلب، أى: يغلبك على أمرك
[٣] إخلاد أهل الدنيا: سكونهم إليها، و التكالب: التواثب
[٤] نعاه: أخبر بموته، و الدنيا تخبر بحالها عن فنائها
[٥] ضارية: مولعه بالافتراس، يهر - بكسر الهاء، و ضمها - أى: يمقت و يكره بعضها بعضا
[٦] عقل البعير - بالتشديد - شد وظيفه إلى ذراعه، و النعم - بالتحريك - الابل، أى: إبل منعها عن الشر عقالها: و هم الضعفاء، و أخرى مهملة تأتى من السوء ما تشاء، و هم الأقوياء.
[٧] أضلت: أضاعت عقولها و ركبت طريقها المجهول لها
[٨] السروح - بالضم - جمع سرح - بفتح فسكون - و هو المال السائم من إبل و نحوها، و العاهة: الآفة، أى: إنهم يسرحون لرعى الآفات فى وادى المتاعب و الوعث: الرخو، و يصعب السير فيه