نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٥٠ - ٣١ - و من وصيّة له عليه السّلام للحسن بن على عليهما السلام، كتبها إليه بحاضرين منصرفا من صفين ٥
أوّليّة [١] و آخر بعد الأشياء بلا نهاية. عظم عن أن تثبت ربوبيّته باحاطة قلب أو بصر، فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغى لمثلك أن يفعله فى صغر خطره [٢] و قلّة مقدرته، و كثرة عجزه، و عظيم حاجته إلى ربّه، فى طلب طاعته، و الخشية من عقوبته، و الشّفقة من سخطه، فإنّه لم يأمرك إلاّ بحسن، و لم ينهك إلاّ عن قبيح.
يا بنىّ، إنّى قد أنبأتك عن الدّنيا و حالها، و زوالها و انتقالها، و أنبأتك عن الآخرة و ما أعدّ لأهلها [فيها]، و ضربت لك فيهما الأمثال لتعتبر بها، و تحذو عليها! إنّما مثل من خبر الدّنيا [٣] كمثل قوم سفر نبا بهم منزل جديب فأمّوا منزلا خصيبا، و جنابا مريعا، فاحتملوا وعثاء الطّريق [٤]، و فراق الصّديق، و خشونة السّفر، و جشوبة المطعم، ليأتوا سعة دارهم و منزل قرارهم، فليس يجدون لشىء من ذلك ألما، و لا يرون نفقة [فيه] مغرما، و لا شىء أحبّ
[١] فهو أول بالنسبة إلى الأشياء لكونه قبلها، إلا أنه لا أولية - أى: لا ابتداء - له
[٢] خطره: قدره
[٣] خبر الدنيا: عرفها كما هى بامتحان أحوالها، و السفر - بفتح فسكون -: المسافرون، و نبا المنزل بأهله: لم يوافقهم المقام فيه لوخامته، و الجديب: المقحط لا خير فيه، و أموا: قصدوا، و الجناب: الناحية، و المريع - بفتح فكسر -: كثير العشب.
[٤] وعثاء السفر: مشقته، و الجشوبة - بضم الجيم -: الغلط، أو كون الطعام بلا أدم.