نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٤٩ - ٣١ - و من وصيّة له عليه السّلام للحسن بن على عليهما السلام، كتبها إليه بحاضرين منصرفا من صفين ٥
لتستقرّ إلاّ على ما جعلها اللّه عليه من النّعماء [١] و الابتلاء و الجزاء فى المعاد، أو ما شاء ممّا لا نعلم. فإن أشكل عليك شىء من ذلك فاحمله على جهالتك به، فإنّك أوّل ما خلقت جاهلا ثمّ علّمت، و ما أكثر ما تجهل من الأمر، و يتحيّر فيه رأيك، و يضلّ فيه بصرك، ثمّ تبصره بعد ذلك، فاعتصم بالّذى خلقك و رزقك و سوّاك، و ليكن له تعبّدك، و إليه رغبتك، و منه شفقتك [٢].
و اعلم، يا بنىّ، أنّ أحدا لم ينبئ عن اللّه كما أنبأ عنه الرّسول، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فارض به رائدا [٣] و إلى النّجاة قائدا، فإنّى لم آلك نصيحة [٤] و إنّك لن تبلغ فى النّظر لنفسك - و إن اجتهدت - مبلغ نظرى لك.
و اعلم، يا بنىّ، أنّه لو كان لربّك شريك لأتتك رسله، و لرأيت آثار ملكه و سلطانه، و لعرفت أفعاله و صفاته، و لكنّه إله واحد! كما وصف نفسه، لا يضادّه فى ملكه أحد، و لا يزول أبدا، و لم يزل، أوّل قبل الأشياء بلا
[١] لا تثبت الدنيا إلا ما أودع اللّه فى طبيعتها من التلون بالنعماء تارة، و الاختبار بالبلاء تارة، و إعقابها للجزاء فى المعاد يوم القيامة: على الخير خيرا، و على الشر شرا.
[٢] «شفقتك» أى: خوفك
[٣] الرائد: من ترسله فى طلب الكلأ ليتعرف موقعه، و الرسول قد عرف عن اللّه و أخبرنا، فهو رائد سعادتنا
[٤] لم أقصر فى نصيحتك.
«٤ - ن - ج - ٣»