نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٤٦ - ٣١ - و من وصيّة له عليه السّلام للحسن بن على عليهما السلام، كتبها إليه بحاضرين منصرفا من صفين ٥
النّفور، و إنّما قلب الحدث كالأرض الخالية: ما ألقى فيها من شىء قبلته، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك و يشتغل لبّك، لتستقبل بجدّ رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التّجارب بغيته و تجربته [١] فتكون قد كفيت مؤونة الطّلب، و عوفيت من علاج التّجربة، فأتاك من ذلك ما قد كنّا نأتيه، و استبان لك ما ربّما أظلم علينا منه [٢]
أى بنىّ، إنّى - و إن لم أكن عمّرت عمر من كان قبلى - فقد نظرت فى أعمالهم، و فكّرت فى أخبارهم، و سرت فى آثارهم، حتّى عدت كأحدهم، بل كأنّى بما انتهى إلىّ من أمورهم قد عمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره، و نفعه من ضرره، فاستخلصت لك من كلّ أمر نخيله [٣] و توخّيت لك جميله، و صرفت عنك مجهوله، و رأيت - حيث عنانى من أمرك ما يعنى الوالد الشّفيق، و أجمعت عليه من أدبك [٤] - أن يكون [٥]
[١] ليكون جد رأيك - أى: محققه و ثابته - مستعدا لقبول الحقائق التى وقف عليها أهل التجارب و كفوك طلبها، و البغية - بالكسر و الضم -: الطلبة، و الحاجة
[٢] استبان: ظهر، إذا انضم رأيه إلى آراء أهل التجارب فربما يظهر له ما لم يكن ظهر لهم، فان رأيه يأتى بأمر جديد لم يكونوا أتوا به
[٣] النخيل: المختار المصفى، و يروى «جليله» أى: عظيمه. و «توخيت»: أى: تحريت.
[٤] أجمعت: عزمت، عطف على «يعنى الوالد»
[٥] «أن يكون»: مفعول «رأيت»