نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٤٤ - ٣١ - و من وصيّة له عليه السّلام للحسن بن على عليهما السلام، كتبها إليه بحاضرين منصرفا من صفين ٥
مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت
فانّى أوصيك بتقوى اللّه و لزوم أمره، و عمارة قلبك بذكره، و الاعتصام بحبله، و أىّ سبب أوثق من سبب بينك و بين اللّه إن أنت أخذت به؟؟
أحى قلبك بالموعظة، و أمته بالزّهادة، و قوّه باليقين، و نوّره بالحكمة، و ذلّله بذكر الموت، و قرّره بالفناء [١]، و بصّره فجائع الدّنيا، و حذّره صولة الدّهر، و فحش تقلّب اللّيالى و الأيّام، و أعرض عليه أخبار الماضين، و ذكّره بما أصاب من كان قبلك من الأوّلين، و سر فى ديارهم و آثارهم، فانظر فيما فعلوا، و عمّا انتقلوا، و أين حلّوا و نزلوا، فإنّك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبّة و حلّوا ديار الغربة، و كأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم، فأصلح مثواك، و لا تبع آخرتك بدنياك، و دع القول فيما لا تعرف، و الخطاب فيما لم تكلّف و أمسك عن طريق إذا خفت ضلالته، فإنّ الكفّ عند حيرة الضّلال خير من ركوب الأهوال، و أمر بالمعروف تكن من أهله، و أنكر المنكر بيدك و لسانك، و باين من فعله بجهدك [٢]، و جاهد فى اللّه حقّ جهاده، و لا تأخذك
[١] اطلب منه الاقرار بالفناء، و «بصره» أى: اجعله بصيرا، بالفجائع: جمع فجيعة، و هى المصيبة تفزع بحلولها
[٢] «باين» أى: باعد و جانب الذى يفعل المنكر.