نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١١٠ - ٥٣ - و من كتاب له عليه السّلام كتبه للأشتر النخعى، لما ولاه على مصر و اعمالها حين اضطرب أمر محمد بن أبى بكر، و هو أطول عهد و أجمع كتبه للمحاسن
ثمّ استوص بالتّجّار و ذوى الصّناعات [١] و أوص بهم خيرا: المقيم منهم و المضطرب بماله [٢]، و المترفّق ببدنه، فإنّهم موادّ المنافع، و أسباب المرافق و جلاّبها من المباعد و المطارح فى برّك و بحرك و سهلك و جبلك، و حيث لا يلتئم النّاس لمواضعها [٣] و لا يجترئون عليها، فإنّهم سلم لا تخاف بائقته [٤] و صلح لا تخشى غائلته، و تفقّد أمورهم بحضرتك و فى حواشى بلادك. و اعلم - مع ذلك - أنّ فى كثير منهم ضيقا فاحشا، و شحّا قبيحا [٥] و احتكارا للمنافع، و تحكّما فى البياعات، و ذلك باب مضرّة للعامّة و عيب على الولاة، فامنع من الاحتكار فانّ رسول اللّه، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، منع منه.
و ليكن البيع بيعا سمحا: بموازين عدل، و أسعار لا تجحف بالفريقين من
[١] «ثم استوص»: انتقال من الكلام فى الكتاب إلى الكلام فى التجار و الصناع
[٢] المضطرب: المتردد بأمواله بين البلدان، و المترفق: المكتسب، و المرافق: تقدم تفسيرها بالمنافع، و حقيقتها - و هى و المراد هنا - ما به يتم الانتفاع كالآنية و الأدوات و ما يشبه ذلك
[٣] أى: و يجلبونها من أمكنة بحيث لا يمكن التئام الناس و اجتماعهم فى مواضع تلك المرافق من تلك الأمكنة
[٤] فانهم: علة لاستوص و أوص، و البائقة: الداهية، و التجار و الصناع مسالمون لا تخشى منهم داهية العصيان
[٥] الضيق: عسر المعاملة، و الشح: البخل، و الاحتكار: حبس المطعوم و نحوه عن الناس لا يسمحون به إلا بأثمان فاحشة.