نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٠٨ - ٥٣ - و من كتاب له عليه السّلام كتبه للأشتر النخعى، لما ولاه على مصر و اعمالها حين اضطرب أمر محمد بن أبى بكر، و هو أطول عهد و أجمع كتبه للمحاسن
احتملوه طيبة أنفسهم به [١] فانّ العمران محتمل ما حمّلته، و إنّما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها، و إنّما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع [٢] و سوء ظنّهم بالبقاء، و قلّة انتفاعهم بالعبر
ثمّ انظر فى حال كتّابك [٣] فولّ على أمورك خيرهم، و اخصص رسائلك الّتى تدخل فيها مكائدك و أسرارك بأجمعهم لوجوه صالح الأخلاق [٤] ممّن لا تبطره الكرامة فيجترىء بها عليك فى خلاف لك بحضرة ملأ، و لا تقصر به الغفلة [٥] عن إيراد مكاتبات عمّالك عليك و إصدار جواباتها على الصّواب
[١] طيبة - بكسر الطاء -: مصدر طاب، و هو علة لاحتملوه، أى: لطيب أنفسهم باحتماله فان العمران ما دام قائما و ناميا فكل ما حملت أهله سهل عليهم أن يحتملوا، كذا قال الاستاذ الامام رحمه اللّه، و عندى أن «طيبة» بتشديد الياء - منصوب على الحالية، و «أنفسهم» مرفوع على أنه فاعل بطيبة، و يجوز أن يكون «طيبة» مرفوعا على أنه خبر مقدم، و «أنفسهم» مبتدأ مؤخر، و الجملة فى محل نصب على الحال، و أى هذين الوجهين أقرب مما ذكره، و الاعواز: الفقر و الحاجة
[٢] لتطلع أنفسهم إلى جمع المال ادخارا لما بعد زمن الولاية إذا عزلوا
[٣] «ثم انظر - الخ» انتقال من الكلام فى أهل الخراج إلى الكلام فى الكتاب: جمع كاتب
[٤] بأجمعهم: متعلق باخصص، أى: ما يكون من رسائلك حاويا لشىء من المكائد للأعداء و ما يشبه ذلك من أسرارك فاخصصه بمن فاق غيره فى جميع الأخلاق الصالحة، و لا تبطره - أى: لا تطغيه - الكرامه فيجرأ على مخالفتك فى حضور ملأ و جماعة من الناس فيضر ذلك بمنزلتك منهم
[٥] لا تكون غفلته موجبة لتقصيره فى إطلاعك على ما يرد من أعمالك، و لا فى إصدار الأجوبة عنه على وجه الصواب، بل يكون من النباهة و الحذق بحيث لا يفوته شىء من ذلك