فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٧٠ - الاحكام الشرعية بين الثوابت والمتغيرات آية الله الشيخ جعفر السبحاني
معقولة على بيع الدم أو شرائه فسوف يتبدّل الحكم من الحرمة إلى الحلّية ، والحكم الثابت هنا هو قوله تعالى : {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ } .
وفي هذا المضمار ورد أنّ عليّاً (عليه السلام) سُئل عن قول الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) : « غيّروا الشيب ولا تشبّهوا باليهود » ، فقال (عليه السلام) : «إنّما قال (صلى الله عليه و آله و سلم) ذلك والدين قلٌّ ، فأمّا الآن فقد اتّسع نطاقه وضرب بجرانه ، فامرؤٌ وما اختار»(٥).
وفي هذا المقام يقول الشيخ الرئيس ابن سينا في الشفاء :
« ويجب أن يفوّض كثير من الأحوال ـ خصوصاً في المعاملات ـ إلى الاجتهاد ؛ فإنّ للأوقات أحكاماً لا يمكن أن تنضبط . وأمّا ضبط المدنية بعد ذلك ـ بمعرفة ترتيب الحفظة ، ومعرفة الدخل والخرج ، وإعداد اُهب الأسلحة والحقوق والثغور ، وغير ذلك ـ فينبغي أن يكون ذلك إلى السائس من حيث هو خليفة ، ولا تفرض فيها أحكام جزئية ؛ فإنّ في فرضها فساداً ؛ لأنّها تتغيّر مع تغيّر الأوقات ، وفرض الكلّيات فيها مع تمام الاحتراز غير ممكن ، فيجب أن يجعل ذلك إلى أهل المشورة »(٦).
وأمّا عنوان «مقتضى الزمان»وعنوان «حتمية التأريخ»وغيرهما من العناوين فقد صارت رمزاً وذريعة لكلّ من يريد أن يتحرّر من القيم الأخلاقية ، ويعيش متحلّلاً من كلّ قيد وحدّ خالعاً كلّ عذار . والكثير من أفراد الإنسان في العصر الحاضر حينما رأوا الإباحة الجنسية ، واختلاط الرجال والنساء ، واتّخاذ الملاهي على أنواعها ، وشرب المسكر ، واللعب بالميسر ، واقتراف المعاصي ، وأخذ الربا ، وما إلى ذلك ممّا راج في البيئات الغربية بلا استنكار ، وقد حرّمها الشرع ورفضتها قوانين الأخلاق الصحيحة والفطرة السليمة ، لم يجدوا مبرّراً لاقترافها والانصياع التامّ للشهوات الجامحة إلا بأن يتمسّكوا بأحد هذه العناوين كـ ( مقتضيات الزمان ) ، وليست الغاية من هذه المقولة عندهم إلا اقتراف السيّئات والانغمار في الشهوات .
(٥) نهج البلاغة : قصار الحكم برقم ١٦.
(٦) الشفاء ، قسم الإلهيات : ٥٦٦ .