فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٦٥ - الاحكام الشرعية بين الثوابت والمتغيرات آية الله الشيخ جعفر السبحاني
ونحن نطلق على الأحكام المتعلّقة بهذه الظروف عنوان «المقرّرات»، كما نطلق على الأحكام المتعلّقة بالظروف الثابتة عنوان «القوانين».
وهذه المقرّرات ليست بمعزل عن القوانين الكلّية الإسلامية ، بل تجري في ضوء القوانين الكلّية الثابتة بحيث لا تناقضها ولا تعطّلها . وإن شئت قلت : إنّ هنا أحكاماً وخطوطاً عريضة تمثّل القاعدة المركزية في التشريع الإسلامي ، وهي مصونة عن التحوّل والتبدّل مهما اختلفت الأوضاع وتباينت الملابسات .
وهناك أحكام متفرّعة على تلكم الخطوط ، مستخرجة منها بإمعان ودراية خاصّة ، يستنبطها الباحث الإسلامي باستفراغ وسعه على ضوء هذه الخطوط العريضة ، بشرط ألا يصادمها . وهذا القسم من الأحكام يتجدّد بتجدّد العهود ، وتباين الظروف ، وتعدّد الملابسات ، واختلاف الشرائط .
فمن قواعد الدين الإسلامي ما هو خالد وثابت ـ وهو ما يمسّ الفطرة الإنسانية وله صلة بالكون والطبيعة ـ وما هو متغيّر ومتبدّل ، وهو الذي لا يمسّ واقع العلاقات الاجتماعية والشؤون البشرية ، ولا يتجاوز حدود الظواهر الاجتماعية . وقد منح هذا التطوّر الدين الإسلامي أسباب الخلود والبقاء ومواكبة سائر الحضارات ، بشرط ألا يصطدم التحوّل مع أيّ أساس من اُسسه ، ولا يتجاوز حدّاً من حدوده .
فالحكم الكلّي الذي يعالج القضايا البشرية على غرار الفطرة ثابتٌ وخالد في كلّ العصور والأزمنة وإن تطوّرت الأوضاع الاجتماعية والسياسية واختلفت حاجات الناس ؛ فإنّ الأنظمة الإسلامية والدساتير الشرعية تساير الفطرة الإنسانية الثابتة ، وتواكب الطبيعة التكوينية ، ولا تتخلّف عنهما قيد شعرة ، فإذا كان التشريع معبّراً عن الطبيعة التكوينية الثابتة ومبتنياً عليها فيخلد بخلودها ويدوم بدوامها .