فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٦٦ - الاحكام الشرعية بين الثوابت والمتغيرات آية الله الشيخ جعفر السبحاني
أجل إنّ تقلّب الأحوال وتحوّل الأوضاع الاجتماعية يتطلّب تحوّلاً في السنن والأنظمة وتبدّلاً في المقرّرات ، غير أنّه لا يتطلّب تحوّلاً فيما يمسّ واقع الإنسانية السائد في جميع الأحوال ومختلف الأوضاع ، كما لا يتطلّب تحوّلاً في القوانين الكونية التي أصبحت تدبّر الكون باُصوله الثابتة ؛ فلا تتغيّر النسب الرياضية ولا النتائج الهندسية وإن تطوّرت الأوضاع وتبدّلت الحضارات .
وإنّما المتغيّر هو المظاهر والقشور والشكل التطبيقي لهاتيك الأحكام في مختلف الأوضاع وتطور المجتمع ، والمتأثّر بالأوضاع هو القسم الثاني لا الأوّل ، ولا ضير فيه ؛ فإنّ الدين الإسلامي إنّما يستعرض القضايا التي تمسّ واقع البشرية والمسائل التي لها صلة بالكون والطبيعة ، ويترك التطبيق بعدُ لنفس المكلّف حسب ظروفه وأحواله .
وبذلك تقف على أنّ التطوّر والتحوّل ـ فيما كتب له التغيّر والتبدّل ـ هو جزء جوهري للدين ، وعنصر داخل في بناء التشريع الإسلامي ، كما أنّ الثبات والدوام ـ فيما فرض له ذلك ـ هو أحد عناصر الدين ومن أجزاء ذاك البناء التشريعي السامي ، فتجريده من أيّ واحد من عنصريه يوجب انحلال المركّب ، وفناء الدين ، وتأخّره عن مسايرة الحضارة .
ودونك نماذج من هذا القسم ـ أي من الأحكام المتطوّرة المتغيّرة بتغيّر الزمان ـ :
١ ـ في مجال العلاقات الدولية الدبلوماسية :
يجب على الدولة الإسلامية أن تراعي مصالح الإسلام والمسلمين ، وهذا أصل ثابت وقاعدة عامّة . وأمّا كيفية تلك الرعاية فتختلف باختلاف الظروف الزمانية والمكانية : فتارة تقتضي المصلحة السلام والمهادنة والصلح مع العدوّ ، واُخرى تقتضي ضدّ ذلك .