فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٠٩ - المرور أمام المصلّي الشيخ أمير الرحماني
فالظاهر من هذه الكلمات : إجماع المذاهب الأربعة على الاستحباب ، وشذوذ القول بالوجوب . ولكن مع ذلك كلّه فقد مال من المتأخّرين الشوكاني في « نيل الأوطار » والألباني في « تمام المنّة » إلى القول بالوجوب ، وإن كان الظاهر من الشوكاني أنّه بصدد بيان مفاد الحديث ، فقد ذكر ـ بعد نقل أبي سعيد الخدري الذي يظهر منه الأمر بوضع السترة ـ أنّ المستفاد منها وجوب ذلك(٦).
واعتبر الألباني القول بالاستحباب تفريطاً بالنصوص الدالّة على الوجوب الآمرة بوضع السترة(٧).
لكن من الواضح عدم دلالة الأمر على الوجوب مع وجود القرينة الصارفة الدالّة على عدم الوجوب ؛ فقد وردت روايات عن ابن عبّاس أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) صلّى في العراء بلا سترة ولم يكن أمامه حائل من جدار ونحوه . ففي صحيح البخاري بإسناده عن ابن عبّاس قال : « أقبلت راكباً على حمارٍ أتان وأنا يومئذٍ قد ناهزت الإحتلام ورسول (صلى الله عليه و آله و سلم) يصلّي بالناس بمنى إلى غير جدار فمررت بين يدي بعض الصف وأرسلت الأتان ترتع ودخلت الصف فلم ينكر ذلك عليّ »(٨). وغرضه من نفي وجود الجدار نفي مطلق السترة ، وإلا فلا وجه لذكر ذلك ، سيّما وأنّ غرض ابن عبّاس من ذكر مروره على الصفّ الأوّل وعدم وجود جدار هو الاستدلال بفعل النبيّ والصحابة حيث لم يعترضوا على المارّ ، ولذا لا يكون لكلامه محصّل لو لم يكن يقصد نفي السترة مطلقاً .
ويؤيّد ذلك رواية البيهقي عن ابن عبّاس أنّه رأى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يصلّي بالناس في خلاء(٩)، كما روى ابن أبي شيبة بإسناده عن ابن عبّاس أنّه « صلّى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في فضاء ليس بين يديه شيء »(١٠).
وهذه النصوص تكفي في نفي احتمال الوجوب ، ولذا لم يذهب إلى القول به فقيه لا من السنة ولا من الإمامية ـ كما يستضح ـ سوى من ذكرناه ، وهو قول شاذّ ، بل حتّى ابن حزم الذي يذهب في كثير من الآداب والمستحبّات إلى القول بالإلزام حكم هنا بالاستحباب أيضاً .
(٦) نيل الأوطار ٣ : ٢ .
(٧) تمام المنّة : ٣٠٠ و ٣٠٧ .
(٨) صحيح البخاري ١ : ١٢٦ ، أبواب سترة المصلّي ، باب الإمام سترة من خلفه .
(٩) سنن البيهقي ٢ : ٢٧٧ .
(١٠) المصنف ١ : ٣١١ ، « باب من رخّص في الفضاء أن يصلّي بها » .