فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٦٢ - الاحكام الشرعية بين الثوابت والمتغيرات آية الله الشيخ جعفر السبحاني
وحاصل كلامهم : إنّ الحياة الاجتماعية لو استمرّت على وتيرة واحدة ، لصحّ للتشريع أن يسود في جميع الأزمنة ، وأمّا لو كانت على وتائر مختلفة متحوّلة ومتغيّرة فلا يسود القانون الواحد في أزمنة متباينة .
ولأجل حلّ هذا الإشكال الذي علق بالكثير من الأذهان ، نحاول بيان المراد بالقوانين الثابتة ، وما هو المقصود بالمقرّرات المتغيّرة على وجه لا يمس التغيّر والتحوّل صميم الشريعة ، وفي نفس الوقت تنطبق الشريعة الخالدة على عامّة المقتضيات وألوان الحياة . وإليك بيان ذلك :
إنّ للإنسان ـ مع قطع النظر عمّا يحيط به من ظروف العيش المختلفة ـ مشاعر وغرائز خاصة تلازمه ولا تنفّك عنه ؛ إذ هي في الحقيقة مشخّصات تكوينية له ، بها يتميّز عن سائر المخلوقات ، وتلازم وجوده في كلّ عصر ولا تنفكّ عنه بمرور الزمان .
فهاتيك الغرائز والمشاعر الثابتة لا تستغني عن قانون ينظّم اتّجاهها ، وتشريعٍ ينظّمها ، وحكمٍ يصونها عن الإفراط والتفريط ، فإذا كان القانون مطابقاً لمقتضى فطرته وصالحاً لتعديلها ومقتضياً لصلاحها ومانعاً من فسادها لزم خلوده بخلودها وثبوته بثبوتها .
وهؤلاء قصروا النظر على ما يحيط به من ظروف العيش المختلفة المتبدّلة ، وذهلوا عن أنّ للإنسان خلقاً ومشاعر وغرائز قد فطر عليها ، لا تنفّك عنه ما دام إنساناً ، وكلّ واحد منها يقتضي حكماً يناسبه ولايباينه ، بل يلائمه ويدوم بدوامه ويثبت بثبوته عبر الأجيال والقرون .
ودونك نماذج من هذه الاُمور ؛ ليتبيّن لك أنّ التطوّر لا يعمّ جميع نواحي الحياة ، وأنّ الثابت منها يقتضي حكماً ثابتاً لا متطوّراً :