الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٤
جل ذكره من غير توسيط الجهات و القوى العالية و السافلة و هذا من سوء الأدب منهم في حق الباري من حيث لا يشعرون و معرفة النفس ذاتا و فعلا مرقاة لمعرفة الرب ذاتا و فعلا فمن عرف النفس أنها الجوهر العاقل المتوهم المتخيل الحساس المتحرك- الشام الذائق اللامس النامي أمكنه أن يرتقي إلى معرفة أن لا مؤثر في الوجود إلا الله.
البرهان الثاني
من ناحية العالم أنك لا تشك في أنك تبصر الأشياء و تسمع الأصوات و تدرك المعقولات و لا تشك أنك واحد بالعدد فإن كان المدرك للمعقولات غير المدرك للمحسوسات فجوهر ذاتك الذي هو أنت عند التحقيق لم تدركهما جميعا إذ لو أدركهما لكان المدرك لهما ذاتا واحدة و هو المطلوب و إلا فكنت أنت ذاتين اثنتين لا ذاتا واحدة- و كذا الكلام في الشهوة و الغضب فإنك لا تشك أنك المشتهي للنكاح أو شيء آخر و أنك المغضب لعدوك.
فإن قلت القوة الباصرة التي في العين آلة في العين تدرك المبصر ثم يؤدي ما أدركته إلى العلاقة التي بيني و بينها فيحصل لي الشعور بالشيء الذي أدركته القوة الباصرة.
قلنا نعد التأدية إليك هل تدرك أنت الشيء المبصر كما أدركته الآلة أم لا فإن قلت نعم فإدراكك غير و إدراكك الآلة غير فهب أن إدراكك يتوقف على إدراك آلتك- إلا أنك إنما تكون مدركا لأجل أنه حصل لك الإدراك لا لأجل أنه حصل لآلتك الإدراك.
فإن قلت أنا لا أدرك بعد التأدية فإذن ما أبصرت و ما سمعت و ما وجدت من نفسك ألمك- و لذتك و جوعك و عطشك بل علمت أن العين التي هي آلتك أو القوة الباصرة قد أدركت و أبصرت شيئا و هذا العلم غير و حقيقة الرؤية و الإبصار غير فالعلم بأن العين يبصر- و السمع يسمع و الرجل يمشي و اليد يبطش ليس إبصارا و لا سماعا و لا مشيا و لا بطشا- كما أن العلم بأن غيرنا جائع أو متألم أو ملتذ ليس وجدانا للجوع و الألم و اللذة- لكن العقلاء ببداهة عقولهم يعلمون أنهم يسمعون و يبصرون و يتألمون و يلتذون و يبطشون و يمشون فإن جاز إنكار هذا العلم جاز إنكار جميع المحسوسات و المشاهدات فعلم أن النفس بها قوة سمعنا و بصرنا و بطشنا و مشينا فبها نسمع و بها نبصر و بها نبطش