نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١١٧ - ٥٣ - و من كتاب له عليه السّلام كتبه للأشتر النخعى، لما ولاه على مصر و اعمالها حين اضطرب أمر محمد بن أبى بكر، و هو أطول عهد و أجمع كتبه للمحاسن
تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحقّ
و لا تدفعنّ صلحا دعاك إليه عدوّك [و] للّه فيه رضا، فانّ فى الصّلح دعة لجنودك [١] و راحة من همومك، و أمنا لبلادك، و لكن الحذر كلّ الحذر من عدوّك بعد صلحه، فانّ العدوّ ربّما قارب ليتغفّل [٢] فخذ بالحزم، و انّهم فى ذلك حسن الظّنّ. و إن عقدت بينك و بين عدوّك عقدة أو ألبسته منك ذمّة [٣] فحط عهدك بالوفاء، و ارع ذمّتك بالأمانة، و اجعل نفسك جنّة دون ما أعطيت [٤]، فانّه ليس من فرائض اللّه شىء النّاس أشدّ عليه اجتماعا مع تفرّق أهوائهم و تشتّت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود [٥] و قد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين [٦] لما استوبلوا من عواقب الغدر [٧] فلا تغدرنّ
[١] الدعة - محركة -: الراحة
[٢] «قارب» أى: تقرب منك بالصلح ليلقى عليك عنه غفلة فيغدرك فيها.
[٣] أصل معنى الذمة وجدان مودع فى جبلة الانسان ينبهه لرعاية حق ذوى الحقوق عليه و يدفعه لأداء ما يجب عليه منها، ثم أطلقت على معنى العهد و جعل العهد لباسا لمشابهته له فى الرقابة من الضرر، حاطه: حفظه
[٤] الجنة - بالضم -: الوقاية، أى: حافظ على ما أعطيت من العهد بروحك
[٥] «الناس» مبتدأ، و «أشد» خبر، و الجملة خبر ليس، يعنى أن الناس لم يجتمعوا على فريضة من فرائض اللّه أشد من اجتماعهم على تعظيم الوفاء بالعهود مع تفرق أهوائهم و تشتت آرائهم، حتى إن المشركين التزموا الوفاء فيما بينهم، فأولى أن يلتزمه المسلمون، كذا قال الامام، و لنا فى إعرابه توقف عظيم، فجملة المبتدأ و الخبر صفة لشىء و هو اسم ليس، أو مبتدأ خبره الظرف قبله و اسم ليس ضمير الشأن.
[٦] أى: حال كونهم دون المسلمين فى الأخلاق و العقائد
[٧] لأنهم وجدوا عواقب الغدر وبيلة - أى: مهلكة - و ما و الفعل بعدها فى تأويل مصدر، أى: استيبالهم