نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١١٥ - ٥٣ - و من كتاب له عليه السّلام كتبه للأشتر النخعى، لما ولاه على مصر و اعمالها حين اضطرب أمر محمد بن أبى بكر، و هو أطول عهد و أجمع كتبه للمحاسن
الرّعيّة شعبة من الضّيق، و قلّة علم بالأمور، و الاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير، و يعظم الصّغير، و يقبح الحسن و يحسن القبيح، و يشاب الحقّ بالباطل، و إنّما الوالى بشر لا يعرف ما توارى عنه النّاس به من الأمور، و ليست على الحقّ سمات [١] تعرف بها صروب الصّدق من الكذب، و إنّما أنت أحد رجلين: إمّا امرؤ سخت نفسك بالبذل فى الحقّ ففيم احتجابك [٢] من واجب حقّ تعطيه؟ أو فعل كريم تسديه، أو مبتلى بالمنع فما أسرع كفّ النّاس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك [٣] مع أنّ أكثر حاجات النّاس إليك ممّا لا مؤونة فيه عليك من شكاة مظلمة [٤] أو طلب إنصاف فى معاملة.
ثمّ إنّ للوالى خاصّة و بطانة فيهم استئثار، و تطاول، و قلّة إنصاف فى معاملة فاحسم مادّة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال [٥] و لا تقطعنّ لأحد من
[١] سمات: جمع سمة - بكسر ففتح -، و هى العلامة، أى: ليس للحق علامات ظاهرة يتميز بها الصدق من الكذب، و إنما يعرف ذلك بالامتحان، و لا يكون إلا بالمحافظة
[٢] فلأى سبب تحتجب عن الناس فى أداء حقهم، أو فى عمل تمنحه إياهم؟
[٣] البذل: العطاء، فان قنط الناس من قضاء مطالبهم منك أسرعوا إلى البعد عنك، فلا حاجة للاحتجاب
[٤] شكاة - بالفتح -، شكاية
[٥] «فاحسم» أى: اقطع مادة شرورهم عن الناس بقطع أسباب تعديهم، و إنما يكون بالأخذ على أيديهم و منعهم من التصرف فى شؤون العامة