معتصم الشيعة في أحكام الشريعة - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٣٢ - مسألة وجوب استقبال القبلة في صلاة الفريضة و الاستدلال عليه بالآيات و الروايات
ذلك على ظاهره- كما هو صريح كلام الشيخ (رحمه الله) [١]- لم يأت شيء ممّا ذكرناه، لأنّه إحداث قول ثالث. و حينئذٍ فاختيار أحد المذهبين مشكل جدّاً.
و اعلم أنّ أصحاب القول الأوّل أوردوا على أصحاب الثاني أنّ التكليف بإصابة الحرم يستلزم بطلان الصلاة في البلاد المتّسعة بعلامة واحدة، للقطع بخروج بعضهم عن الحرم، و اللازم باطل فالملزوم مثله و الملازمة ظاهرة، مع أنّ بعضهم صرّحوا بأنّ قبلة العراق و الخراسان واحدة، و معلومٌ زيادة التفاوت بينهما.
و أجيب بأنّه ليس المراد المحاذاة الحقيقيّة البتّة، بل الحسيّة كافية و هي حاصلة في البلاد المتباعدة، إذ الشيء كلّما ازداد بُعداً ازداد محاذاةً. و على هذا فإنّما يظهر أثر الخلاف في القريب خاصّة، و سبيل الاحتياط واضح.
[الحكم بكون عين الكعبة و جهتها قبلةً]
ثمّ الكعبة التي هي القبلة عيناً أو جهةً ليست هي نفس البناء، بل الفضاء المشغول بذلك البناء النازل في تخوم الأرض الصاعد إلى أعنان السماء. و لهذا صحّت صلاة من نزل في بئر زمزم مثلًا إذا تمكّن من السجود كما صحّت صلاة من صعد إلى أبي قبيس.
يدلّ على ذلك ما في بعض الروايات المعتبرة عن الصادق (عليه السلام) أنّه سأله رجل؛ قال: «صَلَّيْتُ فَوْقَ أَبِي قُبَيْسٍ الْعَصْرَ، فَهَلْ يُجْزِي ذَلِكَ وَ الْكَعْبَةُ تَحْتِي؟
قَالَ: نَعَمْ؛ إِنَّهَا قِبْلَةٌ مِنْ مَوْضِعِهَا إِلَى السَّمَاءِ» [٢].
و عن خالد [بن] أبي إسماعيل [٣] عنه (عليه السلام)؛ قال: «قُلْتُ لَهُ: الرَّجُلُ يُصَلِّي عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، قَالَ: لَا بَأْسَ» [٤].
[١]. الخلاف، ج ١، ص ٢٩٥، المسألة ٤١.
[٢]. التهذيب، ج ٢، ص ٣٨٣، ح ٧؛ الوسائل، ج ٤، ص ٣٣٩، ح ٥٣٣٥.
[٣]. الكافي: «عن خالد عن أبي إسماعيل»؛ التهذيب: «عن خالد بن أبي إسماعيل»؛ النسخ: «خالد أبي إسماعيل».
[٤]. الكافي، ج ٣، ص ٣٩١، ح ١٩؛ التهذيب، ج ٢، ص ٣٧٦، ح ٩٧؛ الوسائل، ج ٤، ص ٣٣٩، ح ٥٣٣٦.