بداية الوصول في شرح كفاية الأصول - آل راضي، الشيخ محمد طاهر - الصفحة ٣٥١ - دعوى صلاحية قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل للبيان و الجواب عنها
.....
و توضيح ذلك: ان قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل ليست قاعدة عقلية برأسها عند من يقول بها، بل هي من متفرعات قاعدة التحسين و التقبيح العقليين، بدعوى ان دفع الضرر المحتمل حسن و ارتكاب محتمل الضرر قبيح، و كون مورد احتمال التكليف من مصاديق ما هو القبيح عقلا غير مسلّم، و مع فرض تسليمه فلا نسلّم ان احتمال التكليف مما يستلزم احتمال الضرر، فهذه الدعوى غير مسلّمة كبرى و صغرى.
اما الكبرى و هي دعوى وجوب دفع الضرر المحتمل عند العقلاء، ففيه:
اولا: انه ليس كل ضرر معلوم فضلا عن ان يكون محتملا مما يجب دفعه عند العقلاء، بل الضرر الذي عملهم على دفعه هو الضرر الذي لا يكون هناك داع لارتكابه يكون ذلك الداعي اهم في نظر المرتكب للضرر المعلوم، و يدل على ذلك انا نرى العقلاء بما هم عقلاء يرتكبون المضار المعلومة و يتحملون المشاق لدواع في نظرهم اهم من المضار و من المشاق، فليس كل ضرر قبيحا حتى يكون واجبا دفعه عند العقلاء، و لا عند الشرع ايضا فانا لم نجد الشارع قد نهى عن ارتكاب المضار المحتملة، و لا يتوهّم ان الروايات الناهية عن الاقتحام في المهلكة تدل على ذلك، لوضوح ان المراد من المهلكة فيها هي العقاب الاخروي، مضافا الى انه لو كانت المهلكة مما تشمل الضرر الدنيوي فليس كل ضرر مهلكة دنيويّة، و هو واضح.
و ثانيا: انا لا نسلّم ان دفع الضرر المقطوع به فضلا عن المحتمل من القواعد العقلائية التي للعقلاء حكم فيها بوجوب دفعه، بل هي من الامور الطبيعية، و ان كل ذي شعور يفرّ بطبعه عن اقتحام الضرر، و اذا كان الفرار من الضرر من طبع كل ذي شعور فلا داعي للعقلاء في الحكم بوجوب دفعه، فان الضرر ان لم يترتب عليه داع اهم منه في نظر المقتحم فبالطبع لا يقتحم فيه، و ان ترتب عليه غرض اهم منه فلا مانع من ارتكابه و يكون الضرر مندكا في جانب الغرض المترتب عليه، و قد اشار الى المناقشة الاولى في الكبرى بقوله: «و اما ضرر غير العقوبة فهو و ان كان محتملا»