بداية الوصول في شرح كفاية الأصول - آل راضي، الشيخ محمد طاهر - الصفحة ١٢ - الوجه الثالث دعوى استقرار سيرة العقلاء
قلت: لا يكاد يكفي تلك الآيات في ذلك، فإنه- مضافا إلى أنها وردت إرشادا إلى عدم كفاية الظن في أصول الدين، و لو سلم فإنما المتيقن لو لا أنه المنصرف إليه إطلاقها هو خصوص الظن الذي لم يقم على اعتباره حجة (١)- لا يكاد يكون الردع بها إلا على وجه دائر، و ذلك
الظن في قوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [١] و في قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً* [٢].
(١) حاصله: ان هذه الآيات لا تصلح رادعة عن السيرة لوجوه:
الاول: انها وردت في النهي عن اتباع غير العلم و عن العمل بالظن في خصوص اصول الدين كما مرت الاشارة الى هذا فيما سبق.
و لا يخفى ان هذه الآيات بناء على كونها مختصة باصول الدين تكون ارشادية لا مولوية، لحكم العقل بلزوم العلم في ما يرجع الى اصول الدين، و مع حكم العقل بذلك يكون النهي الشرعي ارشادا اليه.
مضافا الى ان اصول الدين كالاعتقاد بوجود واجب الوجود عزّ و جل و وحدانيته و صفاته و نبوة انبيائه (عليهم السّلام) لا يعقل ان يكون الامر الوارد بلزوم العلم فيها او النهي عن اتباع غير العلم او عن العمل بالظن فيها مولويا، لان مولوية الامر معناها هو الامر من الشارع بما هو مولى و مشرع، و يتوقف ذلك على الفراغ عن الاعتقاد به بما هو كذلك، و كون المورد اصول الدين لازمه فرض عدم المفروغية عن ذلك، الّا ان يقال ان المولوية و كونه شارعا منوط بكونه كذلك واقعا لا بالاحراز و الاعتقاد.
و لكنه يمكن ان يقال: ان الامر أو النهي المولوي عن اتباع غير العلم لا يعقل ان يتوجه الى العبد في حال علمه لحصول الغرض، و لا في حال الشك لعدم امكان
[١] الاسراء: الآية ٣٦.
[٢] يونس: الآية ٣٦.