بداية الوصول في شرح كفاية الأصول - آل راضي، الشيخ محمد طاهر - الصفحة ٢٥٧ - خاتمة و فيها امران
ثم لا استقلال للعقل بوجوب تحصيل الظن مع اليأس عن تحصيل العلم، فيما يجب تحصيله عقلا لو أمكن، لو لم نقل باستقلاله بعدم وجوبه، بل بعدم جوازه، لما أشرنا إليه من أن الامور الاعتقادية مع عدم القطع بها أمكن الاعتقاد بما هو واقعها و الانقياد لها، فلا إلجاء فيها
اللّه تستلزم الهداية، و نفس البحث من الباحث هي المجاهدة في اللّه، فكيف يمكن ان يبحث باحث و لم يصل؟
و قد اجاب عنه أولا: بان المراد من المجاهدة في الآية ليست البحث و الاجتهاد، بل المراد منها هي الجهاد و لكنه للنفس بقمعها عن رذايل الشهوات، و تخليتها عن اتباع الهوى و ارغامها على فضائل العبادات و تحليتها بحلية الهدى، فهي اجنبية عن المقام، و اليه اشار بقوله: «هو المجاهدة مع النفس ... الى آخر الجملة» أي ان المراد من الذين جاهدوا هم اهل المجاهدة مع النفس لا اهل البحث و الاجتهاد.
و ثانيا: ما يظهر من طي كلماته، و هو انه لو سلّمنا ان المراد من المجاهدة هي البحث و الاجتهاد، و لكنها لا تستلزم اهداء هذا المقصّر، لان المجاهدة في اللّه هي البحث عن الحق لاجل الحق لا البحث لاعطاء طريقة اهله صبغة الحق على كل حال، و اليه اشار بقوله: «فانه غالبا بصدد اثبات ان ما وجد آباءه عليه هو الحق لا بصدد الحق» و مثل هذا الباحث يكون مقصّرا غير معذورا، و لذا قال (قدس سره):
«فيكون مقصّرا ... الى آخر الجملة».
و قد ظهر انه بناء على ان المراد بالمجاهدة هي جهاد النفس لا ما يشمل لزوم اعطاء الهداية للباحث، و لو فيما اذا كان باحثا عن الحق لاجل الحق، و عليه فالفرق بين الباحث لاجل الحق و الباحث لحبّ طريقة الآباء، هو ان الاول اذا لم يصل الى الحق كان معذورا و له حكم الجاهل القاصر، و الثاني لا يكون معذورا و يستحق العقاب.